تجاور مدرسة نهج الصباغين الملحقة بالجامع الجديد الذي تحمل اسمه الاسم المعالم الحسينية الأساسية بل ربما كانت الأقرب إلى هذه المعالم فهي تتصل بتربة البايات التي تضم قبور الملوك والأمراء وتابعيهم عبر نهج سيدي قاسم لكن المدرسة والجامع والتربة المرفقة بهما تشكل من دون شك المعالم الأقدم والأكثر رمزية من دون شك فقد أتم بناءها سنة (1727م) حسين بن علي تركي مؤسس الدولة الحسينية الذي أمر أيضا ببناء مدرسة النخلة في نهج الكتبيّة والمدرسة الحسينيّة الصغرى في تربة الباي.
في كتابه (المشرع الملكي) يعدد محمد الصغير بن يوسف مآثر الباي حسين بن علي فيقول "ومنها هدمه للخمارات الثلاث داخل باب الجزيرة...وبنى بعضها ديارا وبقي منها خرابات فاقتضى نظره السعيد ورأيه الرشيد أن بنى مدرسة عظيمة الشأن في غاية الاتقان ...ثم اتخذ ذلك المحل وجعل به تربة عظيمة في غاية ما يكون من التزخرف رخاما وجليزا مزوّقا ...ثم أمر بجدّ واجتهاد في بناء الجامع بازاء التربة المشهورة باسمه وأنفق على بنائه أموالا عظيمة وجلب اليه العمد الرخام من بلاد النصارى والجليز من بلاد الترك...وبنى له صومعة تأخذ الشبهة من جامع ابن عروس وكان بناء الجامع قبل واقعة وسلات ولم ينته والصومعة لم يتمّها فلما رجع من فتنة وسلات أتم الصومعة على أكمل حالة وتبهرج وكذلك كمّل ما بقي في الجامع من المخصوص في اتمامه الا خارج حيطان المسجد فانه لم يتمها".
يؤكد ابن الخوجة أيضا نقلا عن كتاب الشيخ محمد سعادة (قرة العين بنشر فضائل الملك حسين) أن هذا المركب الديني أقيم في جانب منه على أنقاض حمام قديم هو حمام المسدوري وقد عيّن للتدريس بمدرسته أبا عبد الله زيتونة وأبا العباس أحمد برناز ثم وفي فترة متأخرة درّس به الشيخ أحمد الكيلاني والشيخ أحمد عاشور والشيخ صالح النيفر وأما الكتّاب المحاذي فقد بناه علي باي الثاني ابن الحسين بن علي.
ويذكر أن الباي حسين بن علي قد حضر في افتتاح هذا الجامع ومدرسته وفي أول صلاة أقيمت به وكانت ظهر يوم الأحد 14 شعبان 1139هـ/ 16 أفريل1727 وكان أول خطيب بالجامع الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد الشريف .
كل المدارس في المدينة القديمة مستقلة بذاتها ولا تتداخل مع الأبنية الأخرى فالغرف للسكن فيما الغرفة الرئيسية هي مصلى للطلبة الا مدرسة الجامع الجديد المرتبة بأمر 25 جانفي 1922 فهي تنفرد بكونها تشكل وحدة مع الجامع اذ صحن الجامع جزء من المدرسة وهذا الصحن البسيط محاط بأروقة تستند الى أعمدة رخامية وتعلو هذه الأعمدة أقواس كلاسكية في شكل حدوة حصان أما الغرف فعددها 15ويزين جدرانها الخارجية جليز ذو خلفية بنية فيما تؤطر أبوابها حجارة الكذال ويوجد فوق باب كل غرفة شباك حديدي مشبك للتهوئة.
جدران الاروقة خالية من النقوش الجصية والبهرج لكن فخامة البناء تظهر أكثر في قاعة الصلاة التي "تخترقها ستة أبواب خشبية، ثلاثة منها تربطها بالمدرسة ومدخلان يفضيان إلى الصحن والأخير يؤدي إلى التربة "وأيضا في المواد الثمينة المستعملة من مرمر وخزف وفي التنويعات الهندسية التي تعكسها النقوش والألوان وكذلك في المنبر الحنفي الرخامي الذي يحاكي منابر الجوامع الحنفية الأخرى .
المدرسة هي اذن جزء متكامل مع بقية عناصر هذا المركب الديني والتعليمي بما في ذلك الكتّاب المحاذي للباب المخصص للنساء في الزنقة المجاورة والتربة التي تبقى قصتها مثيرة للاهتمام فعلا اذ لمّا بناها حسين بن علي أمر بأن يدفن فيها كل من سيدي قاسم الصبابطي وسيدي قاسم الزواوي وتترك له مساحة تتوسطهما ليدفن فيها تبركا بهذين العبدين الصالحين كما هي عادة الملوك العثمانيين لكن شاءت الأقدار أن يقتل على يد يونس نجل علي باشا الذي أمر بدفن والده محمد بن علي مكان عمه الذي يرجح أن رأسه فقط هو ما دفن في هذه التربة فيما الجثة لا يعرف الى الآن مكان دفنها في جهة رقادة.
َ
