لم يكن لهم من خيار سوى الرحيل أو الموت ...هكذا غادر الأندلسيون أرضهم ...في ظروف تتقطّع لها القلوب كما يروي "ماثيو كار" في كتابه (الدين والدم : إبادة شعب الأندلس) ...لم يتردد اللّصوص المسيحيّون في نهب قراهم فيما السيدات النصرانيّات المتأنّقات كنّ تقفن على أبواب الموانئ لشراء المجوهرات والأقمشة الحريريّة والملابس المطرزة من الموريسكيات بأرخص الأثمان . يضيف ماثيو كار " تكشّفت المناظر المحزنة والمأساوية دائما عند تحميل الموريسكيين على السفن المنتظرة...وصل رجل مسن الى بلنسية معلنا أمنيته في أن يدفن في تراب إسلامي لكنه وقع ميتا وهو يصعد الى السفينة ومات موريسكيّون آخرون من الجوع والاعياء قبل أن يغادروا الشاطئ وانفصل بعض الأطفال عن آبائهم بسبب الفوضى وترك آخرون أطفالهم مع نصارى محليين ...وشبّه أحد شعراء الألخامية في تونس نزوح الموريسكيين بنزوح اليهود من مصر الذي ورد في التوراة وحمد الله على تحويل البحر الأبيض المتوسط الى مرج من الزهور الخضراء مكّن إخوته في الدين من الهروب من فرعون إسبانيا".
رغم قسوة التهجير فان تونس التي احتضنت المهاجرين الأندلسيين الأوائل قد نجحت في التقليل من هول هذه المصيبة كما يذكر ابن دينار في (المؤنس) حيث يقول " وفي هذه السنة (1609 م) والتي تليها جاءت الأندلس من بلاد النّصارى ، نفاهم صاحب إسبانيا وكانوا خلقا كثيرا فأوسع لهم عثمان داي في البلاد وفرق ضعفاءهم على الناس وأذن لهم أن يعمّروا حيث شاؤوا فاشتروا الهناشير وبنوا فيها واتّسعوا في البلاد فعمرت بهم واستوطنوا في عدة أماكن ...فصار لهم مدن عظيمة" ...أسس الموريسكيون أيضا أحياء وأنهج خاصة بهم في مدينة تونس ومنها نهج الأندلس.
ببيوته وأقواسه وأبوابه المسمّرة وقناديله المعلّقة وجماله المحيّر مثل معزوفة موريسكيّة حزينة يمتد نهج الأندلس ، بل لعل هذا الجانب ما يجعل منه أكثر الأنهج رومنسيّة في الحي الأندلسي القريب من قلب المدينة العتيقة.
في "أنشودة" أحد الموريسكيين شيء من ذاك الحزن الكامن أيضا في ياسمين الحيّ إذ هي تروي قصة الآباء للأبناء والأحفاد فتقول " أنا أندلسي ، هذا ما قاله لنا أبي عندما اجتمعنا حوله وهو على فراش الموت ، وقال لنا : قبل ذلك كنّا أثرياء لكنّنا فقدنا ثروتنا ، كان اسم عائلتنا طرويل وهو اسم من الأندلس ، اسم طائر مهاجر من قرطبة عاصمة الأندلس".
سوف تبرز إضافات الموريسكيين في الحياة الاقتصادية بسرعة فائقة كما يقول عبد الجليل التميمي في دراسته عن " تأثيرات الموريسكيين - الأندلسيين في المجتمع المغاربى، إيالة تونس نموذجا " فهم قد حملوا معهم الى المغرب العربي " آليات ومهنا جديدة مدعومة ومعززة بخبرة فنية عالية جدا غير معروفة في عالم المهن المغاربية التقليدية يومئذ . وإن الذي زاد من أهمية ذلك هو توفيق البعض منهم في إنقاذ جزء من أموالهم من النهب والاستيلاء عليها سواء أكان ذلك يوم مغادرتهم القسرية للأندلس أو من قبل ربابنة السفن الأوروبية الذين نهبوهم وغرّروا بهم تاركين إياهم في بعض جزر البحر الأبيض المتوسط الخالية وقد تمكن هؤلاء الموريسكيون الذين نجوا من الآفتين السابقتين من توظيف مخزونهم الحضاري والفني في عديد المشاريع الزراعية والتجارية والصناعية ...ومازالت بصماتهم قائمة حتى اليوم في اللباس والتجهيزات المنزلية وهندسة الشوارع والبناءات الدينية والزركشة والبستنة وإدخال فنيات معمارية ثم تفنّنهم في غرس أنواع من الزهور وفي صناعة الأسلحة والسفن وكذا إبداعاتهم في الموسيقى ، وفوق ذلك هذا الشعور الاستعلائي الذي ميز هاته المجموعة ذات النفس البورجوازي والأرستقراطي عن غيرهم من المواطنين المغاربيين قاطبة وخاصة التزاوج في ما بينهم فقط".
في حي الأندلس شواهد على هذا الحضور الموريسكي القوي الذي طبع المدينة العتيقة لا بل إن بعض المعالم التاريخية هي أشبه بتحف فنية ومعمارية أصيلة وفريدة من نوعها على غرار دار الحداد ودار الأخوة ودار بالما وهي قصور لأعيان الأندلسيين ممن احترفوا صناعة وبيع الشاشية وكانت لهم ثروات طائلة ومكانة في ورفعة في قصور الدايات ثم البايات من بعدهم.
سوف يتمركز الأندلسيون في حيّين بالمدينة العتيقة كما يشير الى ذلك الباحث في التراث عادل التواتي "الأول في المدينة المركزية والثاني بربض باب السويقة أما الذي بالمدينة المركزية فهو الحيّ الخرسانيّ العتيق ويتكوّن من الأنهج التالية - نهج الأندلس- نهج العبري- نهج القرشاني- نهج القاري- نهج الغني- نهج عبّه ونهج الداي مع العلم بأن نهج الدّاي به دار سكني يوسف داي خليفة عثمان داي وكأنه أبى إلا أن يقطن بجانب هؤلاء الفارّين بدينهم والذين عطف عليهم و مكّنهم من وسائل العيش والعمل .
ومن العائلات الأندلسية البارزة التي سكنت هذا الحي ولا تزال منازلها موجودة نذكر عائلة (بالما) نسبة إلى مدينة بالما دي مايوركا وعائلة الأخوة التي لها عدة منازل موزعة بين نهج الأندلس ونهج الداي وهي دون شك عائلة (لاخويا - lajoya) أما الحي الثاني الذي استقر به الموريسكيون فهو خارج باب السويقة و يعرف باسم البيقة وهي تحريف للفظ (la vegua) أي البستان نظرا لأن الأندلسيين كانت لهم به أشجار مثمرة وجنان وأقاموا به المدرسة الأندلسية التي لا تزال موجودة الى يومنا هذا علاوة على المسجد المحاذي لها والمعروف اليوم بمسجد سبحان الله.
أما العائلات الأندلسية الأخرى الشهيرة في تونس فنذكر منها (بلانكو blanco ) و (الصيد el cid) والعروسي و(ماضور amador) و (مريشكو moriscos ) والتومي و (القسطلي castillan) من قشتاله والعصفوري و (كتالينا catalina ) و (الصوردو sourdou) و (كرباكة caravaca ) و (حرمل haramilou ) مع العلم بأن الحي الأندلسي داخل المدينة المركزية تحت باب منارة هو الأكثر أهمية حيث ضم أبرز وأغنى العائلات الموريسكية وكان منهم كبار التجار والموظفين مثل الأخوة أمناء سوق الشواشية والذين كان منهم أيضا الهادي الأخوة وزير أحمد باي الثاني ".