من منزل بورقيبة إلى حديقة إشكل بضع
كيلومترات تقطعها السيارة في عشرين دقيقة على أقصى تقدير وعلى امتداد هذه المسافة
التي تشكل جزءا من الطريق الوطنية رقم 11 حتى قرية زعرور لا شيء يطغى على المشهد
العام سوى حقول القمح وغابات الزياتين والمستنقعات التي تضبط إيقاع حياة الناس في
هذا المكان مع البحيرة والجبل المرتفع 511 مترا.
تنتهي الرحلة نحو
الحديقة عند البوابة التي يحرسها أعوان الغابات والواقعة عند سفح الجبل ، لكن الوصول
لا يضمن التمتع بجمال هذا المكان فقد أصبحت المحمية تخضع لإجراءات استثنائية فأغلقت
أبوابها في مرحلة أولى ثم أعيد فتحها للعموم مع إجبارية الحصول على ترخيص مسبق من
المندوبية الجهوية للفلاحة ببنزرت ولهذا السبب تضطر عديد العائلات التي تقصد إشكل إلى
العودة على أعقابها من أمام البوابة لأنها لا تحمل هذا الترخيص.
رغم هذه الإشكالات
الإدارية فإن الجمال الأخّاذ للحديقة الوطنية بإشكل ينسى الزائر في كل
المتاعب ، وكيف لا يكون وقد تجمّعت في هذا المكان 3 منظومات بيئية أولها البحيرة
ومساحتها (8500 هـ) والمستنقعات ومساحتها (2737 هـ) والجبل ومساحته (1363 هـ).
جعلت هذه المميزات الطبيعية من إشكل واحدة من أهم المناطق الرطبة في حوض المتوسط مع مناطق الـ
"كامارق" بفرنسا و"القالة" بالجزائر و"دونانا"
باسبانيا ، وعجلت بادراجها في عدة اتفاقيات عالمية أبرزها اتفاقية "رامسار"
حول المناطق الرطبة (1980) واتفاقية التراث العالمي لليونسكو (1979) واتفاقية
الإنسان والمحيط الحيوي (1977) لنفس المنظمة .
على طول هذا
الطريق إلى إشكل بضع تجمعات سكنية صغيرة يعيش قاطنوها في تناغم مع هذا الفضاء
فالجبل والبحيرة (القرعة) هما مورد الرزق الأساسي ، منهما تأتي الخضراوات والغلال وزيت
الزيتون والحطب والمرعى لحيواناتهم وفي الحديقة أيضا يشتغل عدد من أبناء المنطقة
بقي أن الوجود البشري في هذا المكان ليس حديثا بل هو يعود إلى العصور القديمة وتحديدا
إلى 4 أو 5 قرون قبل الميلاد وجزء منه يرتبط بضفاف البحيرة التي احتضنت مدينة
تينجة العتيقة (thimida)
، فعلى الضفاف الشمالية لهذه المساحة المائية كان يوجد ميناء روماني يمتد رصيفه
لمائتي متر وكان هناك نشاط مرتبط بالصيد البحري ، وفي هذا المكان عثر على لقى
متنوعة بكميات معتبرة منها أوان من الفخار الفنيقي وآلاف القطع النقدية التي تعود
إلى العهود البونية والرومانية والبزنطية والعربية وأغلبها يرجع إلى الحقبة
الوندالية.
الوجود البشري في
هذه الجنة الطبيعية لا يرتبط بالبحيرة فقط فجبل إشكل شاهد على استقرار الحضارات
القديمة من الفينيقيين إلى الرومان المشغولين دائما بتوفير الرخام لمدنهم والماء
لحماماتهم الخاصة والعامة وهم قد تركوا في المقاطع وفي بعض الأطلال القريبة من
منابع المياه ما يدل عليهم وأما في العصر الوسيط خصوصا فالمصادر التاريخية تخبر بأن
المستنصر ثاني السلاطين الحفصيين كان يخرج للاستراحة والصيد في هذه المنطقة وقد
استمر هذا النهج مع السلاطين الآخرين من بني حفص ومع البايات المراديين
والحسينيين.
في سفح جبل إشكل أو في المرتفعات كانت تتمركز
بعض الحمامات التي تغذيها عيون الماء الساخنة منذ مئات السنين ومن أشهرها حمام سيدي بن
عباس وحمام سيدي عبد القادر وحمام الشفاء وحمام الجرب وهذه المعالم التي يمكن
مشاهدة بعضها على الطريق قد أغلقت أو هدمت وانقرضت تماما لكن المياه الكبريتية
الحارة والغنية بالأملاح المعدنية مازالت تتدفق من جوف الجبل وتغذي حمام النّقراز الموجود
على ضفاف البحيرة.
عبر المسلك
الترابي أو الحجري الوعر أحيانا وبعد المشي لأكثر من 3 كيلومترات في عمق الجبل
يمكن الوصول إلى هذا النبع المائي الذي حوّله أهالي المنطقة إلى ما يشبه الحمام البدائي
فالسقف يتشكل من بعض قطع البلاستيك والقصدير وأما في الداخل فمربعات الجليز تحيط
بالحوض المستطيل الذي تصب فيه مياه العين التي تبلغ حرارتها نحو 45 درجة وهذه
المياه الكبريتية صالحة لعلاج امراض المفاصل والأمراض الجلدية وأمراض النساء شأنها
شأن مياه حمام العتروس والأخيرة هي الأفضل صحيا والأسخن (51 درجة) وهي تنبع من
نقاط متعددة في مساحة قطرها 20 مترا.
كل الدروب المهيأة
في جبل إشكل تمر عبر المتحف البيئي الذي أنشأ سنة 1989 لعرض معلومات عن الثروة
الحيوانية والنباتية الموجودة في الحديقة وهذا المتحف كان مغلقا أثناء زيارتنا لكن
ذلك لا يقلل مطلقا من جمال المناظر الطبيعية المحيطة بالمسلك الصحي مثلا والذي
يبلغ طوله عدة كيلومترات.
السير في هذا
المسلك ليس سهلا ولا يمكن المغامرة باصطحاب كبار السن أو الأطفال لأن الأرضية
الحجرية ناتئة جدا فضلا عن غياب حواجز حمائية على جانبي الطريق الذي تزينه بنسبة
كبيرة أشجار الزيتون البري (الزبوس) والضرو(القضوم).
هيمنة هذين النوعين من الأشجار يعني أن الجبل مازال يحتفظ بغطائه النباتي المتوسطي
الأصيل ولم تدخل عليه بعض المزروعات المستوردة مثل الصنوبر الذي يلاحظ بكثرة في
غابات بنزرت والوطن القبلي لكن الكساء الأخضر للجبل وللحديقة بصفة عامة لا يتوقف بالطبع
على الزيتون والضرو فهو يضم نحو 530 نوعا من النباتات منها الخروب والعرعار
الفينيقي والخلنج والقندول والكبّار الشوكي والحيار والسدر واللبينة وبخور مريم
الفارسي والسرخس والعلندة والهندي والحية ميتة (Ophrys lutea) التي يقال أنها تستعمل في أعمال السحر.
أسفل الجبل وفي مياه البحيرة تنمو كذلك بعض النباتات الأساسية لتغذية الطيور
وأبرزها سلق الماء العائم والمصّ وهاتان النبتتان تقلصت مساحتهما خلال الأعوام
الماضية نتيجة الانخفاض الكبير في إيرادات المياه العذبة وتزايد الملوحة في مياه
البحيرة.
تعج حديقة إشكل أيضا بثروة حيوانية هامة تشمل 19 نوعا من الثدييات و24 نوعا
من الأسماك و 186 نوعا من الطيور ومن أبرز الثدييات جاموس الماء الذي أدخل إلى
الحديقة في 1859 زمن محمد الصادق باي حيث تلقى الباي قطيعا كهدية من إحدى الأميرات
الصقليات وخلال تلك الفترة صار يسمى جاموس الباي وعين له قايد خاص لحمايته.
أصبح الجاموس أشهر الحيوانات رغم أن الحديقة تعج بعديد الثدييات الأخرى
ونذكر منها الزيردة (genette) وثعلب الماء (loutre) والخنزير وابن آوى والثعلب والضربان وفي الوقت الحالي يمكن رؤية الجاموس والخنزير بسهولة في
المسالك والأحراش.
كانت بعض أسراب النحام الوردي تقتات في مياه البحيرة لن أعدادها تراجعت كثيرا
ما يعطي فكرة عن التدهور الذي تعرفه هذه المنظومة البيئية خلال الأعوام الأخيرة والذي
دفع جمعية أحباء الطيور إلى إطلاق صيحة فزع تعززها أرقام محيرة فبحيرة اشكل لم تستقبل سوى 19016 طائرا مائيا في
جانفي 2021 من جملة 600 ألف من الطيور التي قضت فصل الشتاء في تونس.
لا شك أن ذلك راجع إلى تناقص غذائها كما ذكرنا ولكن رغم ذلك تبقى البحيرة حتى
الآن إحدى أهم المناطق الرطبة في العالم ومأوى لعديد الأنواع من الطيور ومنها
بالخصوص الإوز الرمادي والغرّة والبط الصفار والعفاس الأحمر والبط أخضر العنق وأبو
ملعقة الأبيض والبلشون الرمادي وإليها تضاف الطيور البرية وهي عديدة ومنها اليمام
والشحرور والقبرة والغراب والمقنين وعقاب بونلي وصقر بوجرادة (العوسق) وبومة الصدى
وبومة فهد الليل والخطاف وحمير صديرة والحميراء المغاربية واليامون وبعض هذه
الطيور مهاجرة وليست موطنة.
تحفل الحديقة أيضا بالعديد من الزواحف والحشرات التي
تشكل عنصرا من العناصر الأساسية للتنوع البيولوجي الذي أصبح هشا جدا ويمكن ملاحظة
ذلك بالعين المجردة من قبل الزائر الفطن فقطعان الأبقار والأغنام اكتسحت مراعي
الجاموس وعمليات الصيد العشوائي مستمرة وعمق البحيرة انخفض.
أدت المياه المتأتية من السدود إلى تراكم الطمي ونفوق أعداد كبيرة من الأسماك
التي كانت البحيرة تعج بها كالبوري والقاروص والحنشة والصول وعلى المدى البعيد
وإذا تواصل انخرام التوازن في هذه الجنة البيئية الرائعة فإن إشكل قد تتحول إلى
مجرد سبخة مالحة لا حياة فيها وتتضرر معها أيضا بحيرة بنزرت وكامل المنظومة
الايكولوجية في شمال البلاد.
الرهانات كبيرة جدا كما يتضح وخلف الهدوء الكبير المخيم حاليا على الحديقة تختفي مخاطر كبيرة ومصاعب جمة وتبرز قلة وعي محيرة سواء من الزوار الذين يلوثون المكان ويعتدون عليه باستمرار أو من بعض الأهالي الذين لا يتقيدون بقواعد استغلال المساحات الجبلية والغابية وفي الأثناء تنتظر الحديقة حلولا جذرية تنقذها وتحافظ على مكانتها متوسطيا وعالميا.
