في نهج الحكام استقر
العثمانيون وخلال ثلاثينات القرن السابع عشر كانت ملكية أغلب القصور للداي أسطى مراد
وبعض البايات علما بأن هذا الداي الذي بدأ حياته انكشاريا بسيطا لم يكن غريبا عن الثروة
والجاه قبل توليه لمنصب الحاكم العسكري لتونس فهو قد أصبح بحلول 1628 م قائدا للقوات
البحرية (قابودانا) زمن سلفه يوسف داي وهذه القوة الضاربة اختصت بالقرصنة وشكلت
مصدرا رئيسيا لجلب الغنائم والعبيد ودعم خزينة الدولة الناشئة محققة نجاحات كبرى
تحسب لرايس البحر أسطى مراد حتى أنه كان بتونس في تلك الحقبة كما يذكر أحمد
السعداوي تسعة أماكن يتم فيها تجميع العبيد ذوي الأصول الأوروبية.
لم يكن استقرار الدايات
في حي الحكام كما تدل التسمية مستغربا فمركز الحكم قبل الحملة التركية كان في هذه
المنطقة من المدينة تحديدا وقصر عثمان داي المؤسس الفعلي لحكم الدايات في أواخر
القرن السادس عشر بني في الربض الجنوبي على مقربة من نهج الصباغين وكانت المنطقة في
ذلك الوقت تحفل بالحقول الخصبة والحدائق الغناء والمناظر الطبيعية المبهجة.
راكم أسطى مراد مرابيح
ضخمة من القرصنة والاغارة على السفن المالطية والقرنية
والفرنسية حتى أن الوثائق الاوروبية تتحدث عن استيلائه على مئات السفن وعلى 20
ألفا من العبيد كما اشترك مراد في هذه التجارة المربحة مع آخرين فاتحا الباب أيضا
أمام أفراد عائلته الذين استقدمهم من ايطاليا للاستفادة وتنمية ثرواتهم الشخصية.
هكذا إذن صعد نجم أسطى
مراد المملوك الجنويّ الذي سيبايع بمباركة من حمودة باشا ابن صديقه مراد باي في
نفس اليوم الذي توفي فيه يوسف داي سنة 1637 م لكنه لم يكن يحظى بدعم المليشيا
الانكشارية اذ هو ليس كسابقيه دايا من أصل تركي وعن ذلك يقول ابن أبي دينار "واتفق
على تقدمه جماعة وأكبرهم مامي من أكبر مماليك يوسف وكان يرى نفسه أنه أحق بالأمر
من غيره الا أنه خاف من العسكر أنهم لا يقدمونه ورأى أنه يقدم اصطا مراد فان رضوا
به دبّر في خلعه واستبد هو بالأمر فعاجله اصطا مراد لما تم له الأمر ونفاه الى
زغوان وقتل هناك".
لن يعمر أسطى مراد
طويلا فقد توفي في 1640 م لذلك لم تتعدّد انجازاته العسكرية التي يذكر ابن أبي
دينار بعضها قائلا "وأول ما أمر به قطع الخمارات التي بين الأزقة وكانت كثيرة
وأبطل برج البستيون وأبطل بيع القمح الذي كان يباع فيه وأبطل أيضا باعة السميد والدقيق
ونظر في معايش المسلمين أحسن نظر ...وهو أول من جعل القوّاد يلازمون بابه كل عشية
بقصد الانصاف لمن يشتكي بهم".
يضيف مقديش شيئا
عن هذه المآثر قائلا " وفي أيامه بنى البرج الذي بغار الملح وبنى هناك مدينة
فاستوطنها جمع من الأندلس وغيرهم وكانت مخبأ للنصارى فانقطع ضررهم".
بوفاة أسطى مراد
وتعيين الداي أحمد خوجة سوف تبدأ سلطة الدايات بالتراجع والحقيقة أن حمودة باي
المرادي (لاحقا حمودة باشا) وهو من أفضل البايات التونسيين سينجح في انشاء فرقة
عسكرية من 600 صبايحي تتولى حمايته الشخصية ثم تقليص تدخل الداي في ادارة شؤون
الدولة والتعيين في المناصب العليا.
ومع أن أسطى مراد
لم يكن موجودا لمعايشة الانجازات الكبرى لحمودة باشا فان تأثيره سيتخطى هذه الفترة
المفصلية من تاريخ تونس فأحد أحفاده سيموت نصرة لحسين باي مؤسس الدولة الحسينية فيما ستبقى قصوره وبيوته التي أنشاها بنهج الحكام جزءا من ذاكرة المدينة
القديمة.
يضيف
الباحث في تاريخ تونس عادل التواتي معلومات أخرى عن إرث أسطى مراد قائلا "في وثائق الأحباس
كامل النهج الموجود فيه القصر وهو نهج الحكام الحالي كان ملك أسطى مراد ثم أصبح
ملك حسين بن علي التركي مؤسس الدولة الحسينية بالمصاهرة لأن حسين بن علي تزوج من
عقب اسطى مراد وهذا ما يفسر إقامة حسين بن علي المعالم في تلك الناحية ومنها تربة
للة جنينة زوجته الجنوية والمدرسة الحسينية والجامع الجديد والكتاب الذي في زنقة
الولي أما نهج الحكام فسمّي كذلك لأن فيه قصر أسطى مراد و قصر العربي زروق وفيه
دار بيرم قضاة الحنفية".
في نهج الحكام
مازالت دار أسطى مراد (عدد 6) واقفة بشكلها العتيق المميز الذي يبرز من البوابة
الضخمة المحاطة بالكذال والتي يعلوها الشعار العثماني . الدار جزء يسير من مجموعة
من البيوت والمرافق المتكاملة في المنطقة والتي
تفرقت ملكيتها .
يصف ريفو هذا
القصر فيقدم لنا صورة عن بناية كلاسيكية من حيث المدخل الذي تتصدره السقيفة والذي
يفضي الى فناء يضم رواقين يرتكزان على أربعة أعمدة تعلوها 3 أقواس ذات تيجان تركية
.
القصر لا يتضمن
"دار الضياف" أي أنه يتكون من طابق أرضي فقط كما أن التزويق الداخلي شهد
بعض التغييرات بادخال مؤثرات ايطالية.
تفرقت ملكية
القصور على مر السنين فآلت الى الحسينيين أما تابعهم الوزير الأول محمد العربي
زروق فقد اشترى كل القصور والملاحق المرادية في هذه المنطقة واستقر في القصر
الكبير الذي يذكر ان مراد الثالث (بوبالة) قد سكنه لبعض الوقت.
زروق الذي دبر مقتل
الوزير يوسف صاحب الطابع وانتهى هو الآخر مقتولا أمام قصر باردو انهار قصره الفخم
في نهج الحكام شأنه شان عديد القصور التي ارتبطت بشخصيات طبعت تاريخ تونس على عكس قصر
الأسطى مراد الذي مازال واقفا.
