المدرسة الباشية ...ما وراء الحرب الأهلية التونسية

 

لو كانت المدارس قادرة على رواية قصة أصحابها لروت الباشيّة قصة صاحبها النائم بين مدرستين ومقبرة ...هي قصة علي باشا المنفي والمطارد قبل أن يعود لينتزع عرش تونس.

في نهج الكتبية الذي كان في ما مضى (سوق الطيّبين) حيث تعبق روائح الازهار والورود بنى علي باشا هذه المدرسة لطلبة المذهب الحنفي  سنة 1752 م وهي تبعد مسافة قصيرة عن المدرسة الأخرى المسماة بالسليمانية وتشترك المدرستان في كونهما على مقربة من جامع الزيتونة وأيَضا من معلم تاريخي مهم هو حمام القشّاشين الذي يطل على المدرسة تقريبا لكن المعلم الذي سيلخّص الحكاية كلها هو مدرسة النخلة المحاذية للباشية والتي بناها حسين بن علي مؤسس الدولة الحسينية وخصم على باشا.

في كتابه (المشرع الملكي) يروي محمد الصغير بن يوسف خبر أول حرب أهلية تونسية كان طرفاها حسين بن علي وابن أخيه علي باشا الذي عزل عن ولاية العهد وقاد تمردا طويلا وداميا سمي بـ "الفتنة الباشية الحسينية".

الكتاب لمن لا يعرفه رحلة ممتعة بتفاصيلها الدقيقة في أسرار شخصيات من الحكام والأعيان والعامة طبعت تلك الحقبة التاريخية وهي تبدأ من "القهواجي" محمد العربي الذي سيكون سببا في ابلاغ الباي حسين بخروج علي باشا من دار رمضان باي هاربا عبر باب المنارة ومنها إلى جبل وسلات وصولا الى بن متيشة رجل البلاط المنافق لكن نقطة التحول الأساسية في علاقة هذين العدوين اللّدودين ستكون من دون شك ولادة وريث مباشر للباي حسين .

يذكر بن يوسف أن سفينة قرصنة تونسية أخذت سفينة جنويّة "فوجدوا فيها امرأة من الجنويز ذات جمال بنت عشرين فاستحفظ عليها رايس المركب ...الى أن وصل الى مرسى تونس ونزل فسار الى الأمير حسين وبما جاء به أخبره ففي الوقت بعث اليها فجاؤوه  بها ...فأعجبته فحاولها على الاسلام فأسلمت فاتخذها من سراريه".

 هكذا أدخلت هذه الجارية الجنويّة الفاتنة المسماة ماريا لوملليني إلى الحسين بن علي في ليلة من ليالي (1708 م) من قبل زوجته فاطمة بنت عثمان التي لم تنجب فلم يمض وقت طويل حتى حملت وأنجبت ولدا "أزهر أغر " سماه الباي محمد ثم ولدت له علي ومصطفى ومحمود وانتهى الأمر بالباي الى تكليف ابنه محمد بالمحلة وولاية العهد والزام ابن أخيه الذي استجلب له الباشية من اسطنبول، بالسكنى في دار رمضان باي تحت أعين العسس ومن هذه الدار سيكون الهروب الكبير نحو جبل وسلات ومنها الى الجزائر بعد فشل التمرد.

لن نعيد رواية  كل الأحداث الدراماتيكية التي طبعت الفتنة الباشية الحسنية ومنها من دون شك حصول علي باشا في ماي 1735 من حكام الجزائر على جيش مكنه من هزم  محلة عمه  في معركة سمنجة يوم 4  يوم أوت 1735  ثم دخول الحاضرة وهروب حسين باي وأولاده الى القيروان التي حاصرها يونس بن علي باشا وتمكن على أعتابها من قتل حسين باي وقطع رأسه ولعل هذه النهاية المروعة تصديق لرواية غريبة ذكر فيها بن يوسف أن حسين باي كان يصلي بجامع الحنفية "ولما فرغ الامام من الخطبة وأراد أن ينزل واذا بالغرداوي رجل من الأولياء (الدراويش) أرباب الأحوال وقف على قدميه وقال ، أيها الناس عظم الله أجركم في أميركم فبهتت الناس وكادت الجمعة تبطل لولا الباي حسين ما تمموا صلاة الجمعة" ويبدو أن هذه الكلمات قد وردت قبل اشتعال نار الفتنة التي أطاحت بمؤسس المملكة الحسينية .

بكى علي باشا على قتل عمه حسين باي حتى ابتلّت لحيته ولذلك سوف يسعى طيلة  فترة حكمه التي لم تتجاوز عقدين (انتهت في 31 أوت 1756 ) الى تركيز سلطة رشيدة ناشرا الأمن مهتما بالاقتصاد فاستعاد طبرقة من الجنويّين ومصرف كاب نيغرو (سيدي مشرق) من الفرنسيين بين جوان وأوت 1741 وهي انجازات "وطنية" حقا غير أن مآثره ليست هذا فقط  اذ هو كما يقول محمود مقديش في (نزهة الأنظار) سيبني مصانع للماء وسور بنزرت وسيعاقب من يعتدي على رعيته من القادة وفضلا عن ذلك فقد "اعتنى كثيرا ببناء المدارس".

كانت المدرسة الباشية  كما تقدم ذكره خاصة بطلبة المذهب الحنفي لذلك اقتضى الأمر كما يقول ابن الخوجة أن تكون "مشيختها دواما واستمرارا في يد فقهاء الحنفية ...من آل بيرم الأعلام فانهم كانوا يتوارثونها خلفا عن سلف من زمن مؤسسها".

بلغ عدد أوقاف هذه المدرسة التي بنيت على أنقاض فنادق قديمة 46 وقفا تتوزع بين أراض فلاحية وبنايات وهي تضم 13 غرفة مخصصة لسكنى الطلبة من الحنفية سواء من أهل الحاضرة أو القادمين من الآفاق وكانت فيها مكتبة ثمينة نقلها خيرالدين باشا الى جامع الزيتونة لانقاذها من الاتلاف وقد تم اغلاق هذه المؤسسة التعليمية بعد الاستقلال فتدهورت وضعيتها ولم يتم ترميمها الا خلال الثماثينات لتصبح مركزا للتكوين في الحرف التقليدية.

يمكن تمييز المدرسة الباشية ببابها الحديدي المحاط بالكذال والذي تعلوه نقيشة تتحدث عن هذا المعلم وفيها نقرأ :

بسم الله الرّحمان الرّحيم وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وسلّم تسليما

تأمل بديع الحسن من صنعة  الأيد  وشاهد جميل السرّ في الوضع من بعد

وعرّج على هذي المباني فإنما   دعتك الدّواعي من أساطينها الملد

تجد جنّة لا الطّرف يرتدّ خاسئا  لديها، ولا وجه الملاحة في صدّ

تناسق ما فيها وحسبك أن ترى  فكلّ الذي حازته واسطة العقد

ولو نطقت قالت وأحر بصدقها  لي الفخر بالباشا وفزت به وحدي

علي ومن يحكيه عزما وهمّة   إذا ما تصدّى بانيا لعلا المجد

أقام بها للعلم صيتا وكم له  مزايا على الإسلام من طيب النقد

بناها ويأبى الله الا يثيبه    بأحسن اذ يلقاه في جنة الخلد

وإذا كملت باليمن والفتح ارخت   منازل فتح حلها أيمن السعد

مدخل المدرسة الباشية تقليدي اذ يتكون من سقيفة تحيط بها من الجانبين دكانات للجلوس وتؤدي هذه السقيفة الى فناء فسيح ومستطيل كما هو الشأن في أغلب البيوت العتيقة .الفناء تحيط به من الجهات الأربع أروقة تعلوها 3 أقواس في شكل حدوة حصان ملونة  بالأبيض والأسود وهذه الأقواس ترتكز  على أعمدة فريدة  من الحجارة السوداء ما يظهر حرصا من علي باشا على أن تكون هذه المدرسة المخصصة لمذهب البايات واحدة من أجمل المعالم في المدينة العتيقة .  

 جمالية هذه المدرسة تتجلى أيضا في الأسقف الخشبية التي تحلي الأروقة  وفي القرميد  الأندلسي الاخضر الذي يعكس تنويعا هندسيا بيّنا لكن ما يمنح هذا الصرح الديني والحضاري والعلمي قيمة اكبر هو مسجده البديع بنقوشه وزخرفته والوانه وايضا تلك القبة التي تعلو المحراب.

المدرسة الباشية هي من المعالم المرتبة بالأمر المؤرخ في 13 مارس 1912 غير أنها غيرمفتوحة للعموم كأغلب الفضاءات التاريخية بمدينة تونس.

 


أحدث أقدم

نموذج الاتصال