الرصيفات ...جرجيس التي لا تعرفونها

 


20 كيلومترا هي المسافة الفاصلة  بين قلب مدينة جرجيس ومنطقة الرصيفات وسواء كانت الرحلة من خلال الطريق الجهوية 117 أو عبر قصر المؤانسة ثم القريبيس فان الجزء الأكبر من هذه المسافة سوف يكون في أحضان غابات الزياتين اللامتناهية التي تغطي أغلب مساحة جرجيس ، وهذه الغابات التي تضم حوالي المليون والنصف شجرة زيتون تجعل من جرجيس المنتج الأول لزيت الزيتون في الجنوب الشرقي.

لا شيء يحاكي جمال شمس الرّصيفات في أفق بحر بوغرارة ولا شيء أيضا في هذا المكان أعرق من "جكتيس" ، جوهرة المدن البونيّة الجنوبيّة  وأحد أهم الموانئ القرطاجيّة.

من جكتيس البونية لم يكشف إلا عن القليل فآثارها مازالت مدفونة تحت رمال بوغرارة أما جكتيس الرومانية  فهي ستعرف أوج إزدهارها خلال القرنين الثاني والثالث للميلاد كما يشير إلى ذلك الباحث الأركيولوجي علي درين ، تدل على هذا المعالم التي تم تشييدها وهي الفوروم والكابيتول والحمّامات والسوق والطرقات وعلى وجه الخصوص الميناء الذي سيتحول إلى مصرف تجاري مفتوح على الصحراء والمرافئ المتوسطية ، سوف تحمل منه المراكب زيت الزيتون والمنتجات الفلاحية والبحرية.

لن تكون "جكتيس" بقعة معزولة في جغرافيّتها البحرية والبرية فهي ستتواصل مع جارتيها زيتا (جرجيس) وتاكاباس (قابس) ، وستشيد معاصر وبيوت ومسالك فلاحية وستكون بحيرة بوغرارة حلقة الوصل التي لن تكسر رغم اندثار المدن التاريخية ولعل قرية الرصيفات الساحرة الواقعة على الضفاف الشرقية للبحيرة هي إحدى تجلّيات هذا التواصل المستمر.

من يقول الرصيفات فإنما يعني بالأساس بحيرة بوغرارة التي تشكل منظومة هامة  للتنوع البيولوجي مدرجة ضمن إتفاقية رامسار للمناطق الرطبة وهذه البحيرة هي الأكبر في تونس إذ تناهز مساحتها الـ 500 كلم مربع ومن ثمّة  فهي أشبه ببحر داخلي يتغذّى من مياه المتوسط عبر قنال أجيم الذي يبلغ عرضه 2200 متر ، ومن فتحة صغيرة عرضها 150 مترا شرقا ، في مستوى القنطرة الرومانية الرابطة بين جربة وجرجيس.

تعاني البحيرة الآن من الأضرار الناجمة عن التلوث الوارد إليها من خليج قابس ولا يخفي أبناء الرصيفات وغيرهم من سكان المنطقة قلقهم من هذا الواقع لكن البحيرة مازالت تعج بالحياة إذ تعيش وتفرّخ بها عدة أنواع من الطيور المستوطنة أو المهاجرة على غرار البط والنورس والبلشون والبيكاسو كما تستقبل في الشتاء نحو 5000 من طيور النحام الوردي ، وأما الثروة البحرية فهي لا تقل ثراء وهي تتشكل من عدة أنواع من الأسماك واللافقاريات والقشريات التي تتغذى وتبيض في البحيرة وتستفيد من مروج أعشاب البوزيدونيا التي تعتبر الأكبر في العالم.

مؤخرا تم تعبيد مسلك "خوي الغدير" لينضاف طريق آخر يخترق الغابة حتى الرصيفات وعلى امتداد هذه الطريق لن يجد الزائر محلات تجارية أو مرافق إلا متى وصل إلى قرية خوي الغدير التي تتكون من بضع منازل متفرقة بين الحقول فيما ظهرت الفيلات الفخمة على جنبات المعبّد في اتجاه الرصيفات وهي لأبناء المنطقة من العاملين في الخارج لكن المشهد مختلف نسبيا عبر القريبيس فالقرية تتوفر بها محلات المواد الغذائية والمقاهي وبعض المرافق التي قد يحتاجها المسافرون أو السياح قبل الوصل إلى وجهتهم النهائية.

قد لا تختلف المورفولوجيا البحرية هنا عن تلك الموجودة في بحيرة غار الملح أو بعض المناطق الأخرى الرطبة في بلادنا حيث تغيب الارتفاعات الصخرية والتيارات البحرية والأمواج العالية لكن جمال الرصيفات وبحر بوغرارة  لن يصادفه الزائر في أي مكان آخر إطلاقا ولعل مشهد غروب الشمس على ضفاف سواحل الرصيفات كاف وحده للامتلاء ببهاء الخلق الربّاني البديع.

ليس مشهد الغروب وحده بالطبع ما يميز الرصيفات بل تلك الطريق الساحلية المضمّخة بالنسمات البحرية ورائحة الملح والأسماك ، والتي تنتشر على جنباتها بعض المطاعم والمقاهي السياحية والمحلات التجارية دون أن تسلب المكان خجل وكرم القرية الصغيرة التي بنيت بالأساس لسكن البحارة الذين ترسو قواربهم الصغيرة ومراكبهم في ميناء حسي جلابة ومن هؤلاء من التحق بالمهنة منذ 40 عاما.

تحدث لنا بعض البحارة عن تراجع منتوج الأسماك من 400 كلغ للمركب الواحد خلال الأعوام الماضية ، إلى أقل من 100 كلغ في وقتنا الحالي ، بسبب الصيد العشوائي والتلوث الذي يحوّل لون البحيرة صيفا إلى الأحمر القاني ومع ذلك فإن "بحر بوغرارة " مازال يجود بالخير حيث تستخرج شباك الصيادين ، الصّبارص والمعزول والدرغال والقاروص والوراطة والقرّاض والجفّاو والشلبة وقد انضاف إلى هذه القائمة ضيف جديد هو العقرب (crabe) الذي أصبح يعدّ للتصدير في عدد من المصانع بالجنوب ، لكن تبقى بعض أنواع  الأسماك مطلوبة أكثر من غيرها وعموما فإن أصحاب الـ 12 فلوكة (مركب) والـ 30 كانوتة (قارب) تقريبا الموجودين في الميناء يجنون ما يعيلون بهم أسرهم ويزودون به السوق المحلية ، من "حوت" هو ضمن الأكثر جودة في السواحل التونسية.

حوالي 14 كيلومترا هو طول الواجهة البحرية للرصيفات والتي تتواصل حتى القنطرة في أقصى الشمال الشرقي لبحيرة بوغرارة ، ومن هذه المسافة 4 كيلومترات على الطريق الجهوية 115 هي عبارة عن فسحة شاطئية رائعة تسمح بممارسة رياضات الهواء الطلق والرياضات البحرية وبـ "لماّت"عائلية  حول أطباق السمك المشوي التي توفرها المطاعم ، وأما المحظوظون فهم الذين سيأتون إلى الرصيفات خلال فترة المهرجان الصيفي الذي يتضمن برنامجه خرجة بحرية وعروضا ثقافية وفلكلورية.

 

 

أحدث أقدم

نموذج الاتصال