وشتاتة ...الزوارع ...حلق الواد وجبل شيطانة

الحديث عن شاطئ الزوارع هو بالأساس حديث عن وشتاتة  تلك القرية الجميلة ذات الجذور الأمازيغيّة لكن وشتاتة لوحدها تحتاج إلى أكثر من مقال بالنظر إلى ما فيها من ثروات غابية ومائية.

الوصول إلى الزّوارع أيسر ما يكون من نفزة أو وشتاتة عبر الطريق الوطنية رقم 7 ومنها الانعراج إلى المسلك المعبد الذي يبلغ طوله 12 كيلومترا تقريبا مخترقا الغابة الكثيفة المكونة في أغلبها من أشجار الصنوبر  وعبور هذا الطريق الذي تزينه الخضرة والروائح المنعشة هو في حد ذاته متعة خالصة ويغري العابرين بالتوقف لبرهة من الزمن قبل مواصلة المسير.

المعبّد وإن لم يكن واسعا بما فيه الكفاية فإنه في حالة جيدة وهو يمكن أيضا من الانعطاف يمينا نحو "باراج" سيدي البراق وهو ثاني أكبر سد في تونس وحوله جبال وغابات متنوعة من جبل شيطانة بكاب نيقرو شرقا إلى حدود طبرقة غربا وحتى مرتفعات جبل خروفة جنوبا وهكذا فزيارة الزّوارع لا يمكن ان تكتمل دون الاطلال على هذه المنطقة الرّطبة والشاسعة التي تختزن نظاما بيئيا فريدا يضم أشجار الزان والفرنان والصنوبر والكلاتوس والبلوط وعديد النباتات العطرية والثمار الجبلية كالقضوم والريحان والخلنج والحلحال والعلّيق والعرعار ونفل الرمال الملتحي والحوذان المائي والنيلوفر الأبيض واللنج وقد أحصى الأطلس الخاص بولاية باجة 9 أصناف نباتية نادرة موزعة بين كاب نيقرو ونفزة ووشتاتة أما الحيوانات البرية الموجودة في هذا المكان فأبرزها الأيل الأطلسي والخنزير والذئب والثعلب الأصهب والزيردة والنمس ، وتحفل المنطقة أيضا بأنواع كثيرة من الطيور والزواحف والحشرات.

تناهز المساحة الجملية لبحيرة سد سيدي البراق 2734 هكتارا ويتواصل السد مع البحر عبر المنبع الأساسي المتمثل في وادي الزوارع وبعض الروافد الفرعية ، وتعيش به كذلك عديد الأصناف الحيوانية المائية منها ثعلب الماء وعدة أنواع من الأسماك أبرزها البلبيس والصندر ونوعان من البوري . ونظرا لأن قسما من الطريق الوطنية الرابطة بين العاصمة وطبرقة تمر به  فقد أصبح الباراج من المعالم الأساسية في هذه المنطقة الشمالية ، ومحطة للفسحة الفردية والجماعية وللتخييم وممارسة بعض الرياضات والهوايات المائية والجبلية.

غير بعيد عن الباراج ينتهي الطريق الغابي المؤدي إلى شاطئ الزّوارع عند موقف صغير للسيارات يحاذيه مسلك رملي يمكّن من النفاذ إلى الشاطئ الرملي الذهبي الذي يتواصل جغرافيا حتى طبرقة متجاوزا بأشواط المطار الدولي وهذا التواصل يرتبط من دون شك بوجود كثبان الرمال التي حمت المنطقة من الانجراف ، وهكذا فالزّوارع لا يختلف من حيث تكوينه الرّملي الفسيح ومياهه الكريستاليّة الصافية عن شاطئ بركوكش القريب وغيره من الشواطئ التي جعلتها الغابات المستحدثة أو الجبال والغابات الأصلية أشبه بجنّات بحريّة وطبيعيّة لكن ميزة الزّوارع هو أنه من أكبر وأجمل الشواطئ الرملية في تونس وفي في سواحل ولاية باجة التي تمتد على طول 26 كيلومترا ، تتخللها أحواض بحرية صغيرة وجروف صخرية حادة توفر مناظر خلابة ومن يقول الزّوارع فلا بد من أن يذكر أيضا شاطئ المقاصب الرائع والذي يشكل بدوره محطة مهمة لمن يريد استكشاف المنطقة والتعرف على كامل مخزونها الايكولوجي.

يتحول الزّوارع صيفا إلى محطة استجمام لعشرات الآلاف من المصطافين من أبناء المنطقة ومن القادمين من داخل الجمهورية وهو ما يطرح إشكالات تتعلق بالغياب شبه الكلي لمرافق الترفيه والتغدية والنظافة وربما كان ذلك في أحد وجوهه أفضل للجهة التي حافظت على عذارة شواطئها لكن الزّوارع مرشح لأن يحتضن محطة سياحية وبالطبع فما من منطقة دخلت إليها النزل إلا واختل توازنها البيئي.

في الأثناء فإن التنقل إلى الزّوارع خارج الفترة الصيفية صعب أو غير ممكن عبر وسائل النقل الجماعي إلا على الحساب الخاص كما لا تتوفر أي حماية للشاطئ وأما عن المرافق فما رأيناه شتاء لم يكن يتجاوز كشكا خشبيا مستغلا في شكل مقهى وقد جلس الصيادون على مقربة منه.

على تخوم الشاطئ تمتزج مياه وادي الزوارع العذبة مع مياه المدّ البحري المالحة مشكّلة حوض سباحة عملاق سمّاه أبناء المنطقة (حلق الواد) فأصبح من مرتكزات النشاط السياحي والترفيهي إذ يقبل عليه المغرمون بالرحلات والمصطافون بكثافة للسباحة أو للاستمتاع برياضة التجديف (كانو وكاياك) وتناول أطباق الأسماك والقشريات وسط الماء.

في حلق الواد التابع للزّوارع ما يحاكي النسخة الأصلية لحلق الوادي العاصمة أي ما يجود به البحر أولا وسد سيدي البراق من أسماك أغلبها يدخل ضمن مسالك الترويج العادية فيما قسم يسير يباع للأفراد الراغبين في شراء منتوج طازج لكن البحر لا يردّ بحارته مطلقا خائبين وقد وجدنا بعضهم ينتظر هدوء الأمواج ليعاودوا رحلة البحث عن الرزق الذي يشمل حسب المواسم أنواعا متعددة من الأسماك بينها القرّاض والقاروص والدوراد والبوري والاميلة والباراكودا والبروشي والمناني والشورو والشلبة والسار والسردينة والسوبيا والمنكوس والرية وغيرها.

إذا كان بحر الزوارع وباراج سيدي البراق هما مركز الاهتمام الرئيسي بالنسبة للزائرين فإن المنطقة ليست فقط هذين العنصرين الطبيعيّين الباعثين على التأمل إذ هي كذلك جبال بتضاريس وعرة وغطاء نباتي كثيف ومتنوع وهي محمية خروفة الجبلية التي تبعد عن وشتاتة  قرابة السبعة كيلومترات.

تناهز مساحة المحمية الـ 250 هكتارا وهي بالأساس قد أنشأت للمحافظة على التنوع البيولوجي وخصوصا الغطاء الغابي والنباتي والثروة الحيوانية وبالخصوص خيول مقعد والأيل الأطلسي لكنها تشكل فضلا عن هذا الجانب مسلكا بيئيا في غاية الجمال تتخلله أصوات الشلالات والطيور التي تقطع هدوء الغابة المطلة من قمة الجبل على الأزرق الكبير.


أحدث أقدم

نموذج الاتصال