في ذلك النهج الطويل الممتد بمحاذاة الحارة اليهوديّة التاريخية ، سكن
اليهود الأوروبيون "القرانة / جمع قرني" وسط ترحيب من أبناء طائفتهم
المحليّين ، بقي أن القرنيين لم يكن لهم استعداد للاختلاط بأولئك اليهود التونسيين
المعدمين في أغلبهم ، فقد كانوا يتكلّمون بالإيطالية ويتزوجون في ما بينهم فقط
ويرتدون ملابس أوروبيّة ويلبسون شعرا مستعارا ويضعون المساحيق وكان لهم أيضا كنائس وأحبار ومقابر لهم دون سواهم.
في كتابه عن "يهود البلاط ويهود المال في تونس العثمانية" يبيّن
رضا بن رجب ظروف تشكّل الجالية القرنيّة في تونس في أواخر القرن السابع عشر فيذكر
أن أعضاءها لم يواجهوا مطلقا "ما يهدد أمنهم و سلامتهم...أو ما يعكر صفو
تجارتهم إذ أن اندماجهم داخل المجتمع المحلي لم يعترض سبيله من الحواجز ما
يكبّله".
في الحقيقة لم يكن الوجود القرني في تونس جديدا فتجّار القرنة كانت لهم
صلات تجاريّة نشيطة مع الايالة ومع اليهود المحليّين منذ القرن السادس عشر وكان
يقوم بأعمالهم في أغلب الأحيان أقاربهم الموجودون بالبلاد ، لكنهم سيسعون إلى
إدارة مصالحهم بأنفسهم بعد أن لاحظوا التسهيلات التي قدمها حمودة باشا للأجانب
والتي مكنت الفرنسيين من امتيازات تجاريّة ومن بناء فندقهم المعروف بـ "فندق
الفرانسيس" (1659 م) ليكون مقرا قنصليا ومسكنا لرعايا هذه الدولة من التجّار.
سوف يشجع حمودة باشا يهود القرنة الأغنياء على الاستقرار بالبلاد وستتشكل
النّواة الأولى للجالية القرنية من 100 تاجر كان يتعيّن إسكانهم وعائلاتهم على
مقربة من أبناء الطائفة اليهودية ، وفي هذا الاطار يذكر أحمد السعداوي في دراسته
عن "الأوروبيين بتونس خلال القرنين 17 و18 " أن الباي بنى على أطراف
الحارة منازل وسوّغها لهؤلاء "اليهود المسيحيّين" وقام بتحبيس مداخيلها
على بعض المنشآت الدينية والخيريّة كجامعه الذي بالقصبة ومارستان العزّافين.
وخلال نفس الفترة أيضا شهدت الحارة اليهودية توسعة تدريجيّة ببناء محلات
تجارية ومقاه وحمّامات ومسالخ وظهور سوقين مهمّين هما سوق القرانة وسوق الحوت.
أدت هذه النّظرة الاستعلائيّة المرتبطة بالثقافة والطّقوس الدينية إلى
انقسام المجتمع اليهودي ، لكن الاختلاف الرئيسي كما يقول رضا بن رجب لم يكن
ثقافيّا أو دينيّا بل إقتصاديّا بالأساس وقد "أشعل فتيله على ما يبدو تجار
الجالية القرنية للتنصل من الأعباء المادية لصناديق الطائفة المخصصة لإعالة
الفقراء من اليهود والتي يتكبّد نفقاتها بقدر هام الأغنياء منهم " وبالفعل
فقد أدى ذلك منذ (1710 م) إلى انشقاقهم عن الطائفة المحلية وتكريس وجودهم كطائفة
مستقلة هي "الطائفة القرنية".
سوف يترجم هذا الانقسام داخل الطائفة اليهودية وحول الحارة من خلال توسّع
حضور يهود القرنة في فضاء المدينة العتيقة وربض باب سويقة وكذلك عبر تنامي نفوذهم
وعلاقاتهم بالبلاط على حساب اليهود المحليين ويبدو أن السلطة الحاكمة يضيف بن رجب
قد شرعنت هيمنة يهود القرنة وإنشائهم لطائفة مستقلة لا بل إنها " تجاوزت هذا
بالسماح للطائفة القرنية بأن تأخذ نصيبا من الفضاء الجغرافي لليهود المحليين
بالإقامة في إطار عرف باسم دريبة القرانة ، تركّز به معبد خاص لهم (صلاة الربّي
حاييم) وتاخمه سوق عدّ لبضائعهم وهو (سوق القرانة) وسرعان ما امتد هذا الفضاء بعد سنة 1710 م إلى دريبة زرقون المطلة على باب بحر وحارة الافرنج لينشئوا بها معبدا آخر
(صلاة الربّي هلال) ومدرسة أطلق عليها إسم (يشيفاه القرانة).
تجاوزت القرانة إذن سمتها الأساسية كسوق لتكتسب رمزية ثقافية وسياسية دون
أن يفقد هذا الحيّز دوره الاقتصادي الذي سيتعزز بما للقرنيين من خبرات ، وهؤلاء
سوف يسيطرون فعليّا على القرانة ويتسمّى السوق باسمهم ويبقى كذلك إلى يومنا الحاضر
مع تنوع كبير في البضائع التي كانت تروج داخله فهو قد كان كما يقول محمد الحشايشي
في كتابه عن العادات والتقاليد التونسية يضم دكاكين تبيع "القرفة والزعفران
والفلفل الأكحل وشوش الورد والحبة السوداء وقاع القلة والسكر بأنواعه والقهوة
والشاي والثمار المجففة كالزبيب والكرموس والمشمش والعناب وأنواع الصابون وزيت
الحجر وجميع أنواع الزيت والقرمز والشب والطرطر وفيه مخازن كبيرة تأخذ منها جميع
العطارة بالحاضرة وسكان المملكة عموما من كل بلد ".
وهكذا فالقرنيون لم يتحكموا فقط في تجارة التفصيل بل هم قد أداروا باقتدار
كبير تجارة الجملة ولم يكتفوا ببيع التوابل والزيوت فقد وسعوا نشاطهم ليشمل تصدير
المصنوعات التقليدية المحلية كالشاشية والأغطية الصوفية والمنتجات الفلاحية إضافة
إلى البضائع التي كانت تحملها القوافل من الدول الواقعة جنوب الصحراء كالعاج وريش
النعام وغير هذه المواد.
حتى القرن التاسع عشر كان يهود القرنة متحكّمين في اقتصاد الايالة من خلال التصدير
والتوريد ونظام اللزمات وعبر المناصب السياسية العليا ، قبل أن يأفل نجمهم
تدريجيّا وتصبح اليد الطولى لليهود المحليين ، الا أن ذلك لم يمنعهم من فك
ارتباطهم بالحارة اليهودية والمغادرة إلى منازل جديدة في الحي الأوروبي والضواحي
الشمالية للعاصمة .
ترك القرنيون سوقهم القديم لكتب التاريخ ومع أن السوق قد ظل إلى أواخر
الاربعينات من القرن الماضي يبيع التوابل فان بضائع أخرى سوف تأخذ مكانها في المكان
وتتغير ملكيّات الدكاكين ليصبح "القرانة" سوقا للأقمشة وملابس الأطفال
والملابس والأحذية النسائية ولوازم الافراح والخياطة والستائر والعطور ومواد
التجميل المستوردة.
رغم التحولات التي عرفها
فإن سوق القرانة لم يفقد جماله العتيق الذي يعكسه دربه المسقوف وبعض المعالم
القديمة كالحمّام الذي تم بناؤه في أواخر القرن العاشر (378 هـ / 988 م) بأمر من
قاضي قضاة تونس في عهد المنصور ابن بلكين ابن زيري.