سيدي الرايس الطريق إلى كاربيس



 يظل شاطئ سيدي الرّايس واحدا من أكثر النقاط الساحلية جمالا في تونس وهو أيضا من الأماكن التي يسهل الوصول إليها سواء من مدن الشمال أو باقي مدن البلاد .

ولبلوغ سيدي الرايس فلا بد من المرور عبر سليمان ثم الانعطاف يسارا إلى الطريق الجهوية 128 والسير قرابة الثلاثة كيلومترات حتى قرية المريسة التي يتبعها الشاطئ أو على وجه الدقة تلك السلسلة المترابطة من الشواطئ التي تتميز بتضاريس متنوعة فهي في الجزء المحاذي لسليمان رملية وفي الجزء الآخر المتصل مع قربص وهو الغالب عبارة عن جروف وسواحل صخرية وعرة لكن في كل بقعة من هذا المكان مناظر طبيعية خلابة تهيمن عليها زرقة البحر وخضرة الغابة وروائح الاكليل والعرعار والضرو.

من يقول سيدي الرّايس إنما يقول أيضا ذلك الرصيف البحري الذي تتجمع حوله مراكب البحارة لكن الرصيف أصغر من أن يستوعبهم كلهم لذلك تحول جزء كبير من الشاطئ خصوصا الجانب "الميت" من البحر إلى ما يشبه المرسى وربطت فيه القوارب وكلها تعمل بطريقة تقليدية ومختصة في الصيد الساحلي.

في نهاية الأسبوع  الماضي وخلال زيارتنا إلى شاطئ سيدي الرّايس كانت شباك البحارة وهم بالعشرات في هذه المنطقة ، قد ظفرت بكميات معتبرة من الحبّار (السوبيا) لكن البحر يعطي أيضا وعلى مدار العام أنواعا كثيرة من الأسماك كالقاروص والكالامار والتن والشلبة والمنكوس والدنديق والكروفات والقرنيط والسّار والكحلاية والصبارس والبوقا وغيرها .

على مقربة من مدخل الشاطئ يعرض البحارة على المشترين القادمين من شمال العاصمة وجنوبها أو من بعض مدن الوطن القبلي حصيلتهم من السوبيا وقليلا من الأسماك وغير بعيد عنهم تلوح  بقايا الرصيف الخشبي الذي يمثل تذكرة بالزمن الجميل لمنطقة المريسة – سيدي الرايس لما كانت الحركة في هذا المكان ، دؤوبة وكانت قوافل الزائرين لا تنقطع وخصوصا خلال فصل الصيف ومنهم من يأتي للاصصياف في تلك الغرف المبنية بالقصب.

تداعى الرصيف الخشبي على مرّ السنين وسقطت ألواحه فلم يكن مصيره أفضل من المعالم القريبة منه ، فهي بدورها قد أهملت تماما على الرغم من قيمتها التاريخية ، ومن أهمية المنطقة الأثرية التي تنتمي إليها والتي تعج بالأسرار والكنوز وأغلبها مازال مخفيّا في باطن الأرض أو في عرض البحر ما يشكل فرصة لإضاءة أكبر وأكثر دقة على الحضارات التي استوطنت سيدي الرايس والمريسة من اللوبيين وهم السكان الأصليون إلى الفنيقيين والرومان ومن جاء بعدهم.

على بعد 7 كيلومترات من حمامات المياه الحارّة في قربص القديمة (Aquae Calidae Carpitanae) وفوق رمال شاطئ سيدي الرّايس تتجلّى آثار مدينة كاربيس (Carpis) أجمل المدائن البحرية.

لا تعني كاربيس كما كان يعتقد سابقا قربص ، بل تلك المدينة التي تأسست في محيط شاطئ سيدي الرّايس وعلى ضفافه وهي بالأساس مدينة بونيّة كانت مزدهرة قبل سقوط قرطاج لكن أغلب المعالم التي تبقّت مرتبطة بالحضور الروماني الذي تواصل حتى أواخر القرن الخامس ميلادي وهذا الحضور تجسّمه مجموعة من الانشاءات منها المسرح والحمامات ، وخزانات الماء ، وقناة المياه ، والحي الحرفيّ الذي يوجد به فرن لحرق الأواني الفخارية ، وبقايا الميناء.

 هذه المعالم التي سبق للباحث الفرنسي بول تروسي الاشارة إلى بعضها لا ترقى في الواقع من حيث الأهمية إلى ما كشفته الحفريات الأركيولوجيّة حول التاريخ البونيّ لموقع سيدي الرايس فهي تؤكد أن الموقع قديم جدا ، يعود إلى الفترة المتراوحة بين القرنين الخامس والثاني قبل الميلاد تدل على ذلك العديد من الشواهد الأثرية ومن بينها المدافن المحفورة في الصخور وجرار الفخار وبقايا الفسيفساء وغيرها من اللّقى.



تشكل هذه الاكتشافات تحولا في السرديّة التاريخية المتعلقة بتاريخ كاربيس ، المدينة الجميلة التي كان بها ميناء كبير تتكدّس فوق أرصفته كل السلع التي كانت تحتاجها قرطاج من حبوب وزيت وغلال وأسماك ولاحقا سيصبح هذا الميناء تحت حكم يوليوس قيصر منطلقا لعلاقات تجارية واسعة مع روما وتصير كاربيس مستعمرة نشيطة اقتصاديا (colonie julienne) ، واستراحة للوجهاء الرومان القاصدين كأسلافهم القرطاجيين حمامات قربص المعدنية.

وهكذا فإن الفصل بين كاربيس وجارتها القديمة هو عملية مستحيلة فازدهار الأولى مرتبط بالثانية وحتى في الوقت الراهن فان العلاقة بين سيدي الرّايس المسماة باسم البحّار المرابط سيدي علي الرّايس ، ومدينة قربص هي علاقة عضوية لا انفصام فيها ، فالبحر والجبل والأراضي الزراعية والمعاملات التجارية وحتى الطرق فيها مصالح مشتركة .

يفسر أهالي المريسة التراجع الكبير الذي عرفته جهتهم تجاريا وتنمويا بانهيار طريق قربص وربما كان في هذا التفسير الكثير من الوجاهة فحركة العابرين برمتها قد انتقلت إلى منطقتي بير مروة ودوالة ومن ثمة صارت المريسة إسما مغمورا على الخارطة وأما شاطئ سيدي الرايس فلم يعد محطة أساسية للمصطافين والزائرين لكن من يملك روح المغامرة يعلم أن في هذا الحيز الجغرافي مخزونا طبيعيا وإيكولوجيا فريدا من نوعه ويكفي تتبع الجزء القديم من الطريق الجهوية 128 في أعالى جبال قربص للوقوف على هذا المخزون.

في الحقيقة نحن تتبعنا هذا المسار الجبلي البعيد عن العيون والذي تقطعه في بعض المواضع صخور تهاوت من الجبل أو إنهيارات أرضية أطاحت بالمعبّد ، كما توقفنا في مغامرتنا التي امتدت لعدة كيلومترات ، في أحواض بحرية جميلة وجدنا في بعضها عددا من المغرمين بالصيد بالقصبة.

في هذا الجانب من الطريق غطاء غابي كثيف فيه أشجار الصنوبر والأكاسيا والكلاتوس والجبوز وأنواع متعددة من الشجيرات المتوسطية والنباتات العطرية والحيوانات البرية وهو في كل جزء منه يمنح المارّ منه إطلالات بديعة على الأفق البحري اللازوردي .

قريبا سوف يعاد فتح طريق قربص وستعود سيدي الرايس شريانا حيويا للقادمين إلى المنطقة أو الفاعلين الاقتصاديين ومع أن الطريق مطلب أساسي للسكان من شأنه أن يعيد الربط مع العاصمة عبر رحلات مباشرة ومنتظمة الا ان ذلك سيخلق أيضا مشاكل من نوع آخر هي صعوبة المحافظة على المخزون الايكولوجي المهدد بطبعه.

 

 

   

أحدث أقدم

نموذج الاتصال