

أحياء المدينة كتاب حضاري مفتوح على سلالات حاكمة وعائلات أرستقراطية
طبعت هذا الفضاء من عهد بني خراسان والحفصيين الى زمن البايات العثمانيين ، والحي
الجنوبي الذي يوجد به عدد من القصور والأسواق والمدافن لم يشذ عن هذه القاعدة فهو في جزئه الغربي يضم تربة الأمراء الحسينيين فيما كانت بعض
قصوره لطائفة من التجار الأغنياء والوجهاء والقادة العسكريين
المقرّبين من البلاط على غرار عائلات الرصاع والنقاش والجلولي وباش حامبة وغيرهم. ويمكن القول ان التركيبة العرقية لهذا الحي انما
تعكس فسيفساء المدينة العتيقة فجذور عدد هام من ساكنيه أندلسية وتركية كما هو شأن
عائلة باش حانبة والتي يعود لها القصر الحامل لاسمها (دار باش حانبة) والمصنف كمعلم أثري.
الوصول الى دار
باش حانبة سهل انطلاقا من باب الجزيرة فنهج كتاب الوزير اذ لا يستغرق سوى دقائق
قليلة أما نزولا من شمال المدينة الى جنوبها مرورا بالأسواق والأزقة الضيقة فمتعة بصرية لا تضاهيها متعة . وحتى سوق
البلاط المحطة الأخيرة قبل الوقوف أمام
قصر آل باش حانبة فهو في حد ذاته عنصر من العناصر التي تشكل سحر المدينة العتيقة
وجمال الثقافة الشعبية وكيف لا وهو يفتح نافدة على الأمل لكثير من المرضى الباحثين
عن الشفاء بالأعشاب والطب البديل .
في سوق البلاط
يملك أصحاب الدكاكين أسرار صيدلية متكاملة من الاعشاب توارثوها أبا عن جد فهذه العشبة
تنفع للسكري وتلك للأورام والأخرى للبروستاتا أو للقرحة ويقال أن عددها يناهز
الثلاثة آلاف من أبرزها النوخا لعلاج
أمراض الكلى والعلندة مع المورينقا والغرافيولا
للسرطان وأم الجلالجل لتسريع الانجاب لكن مقصدنا
هو دار باش حانبة التى تعد أحد أجمل قصور المدينة القديمة.
في كتابه عن بيوت
مدينة تونس يؤكد الفرنسي
جاك ريفو أن عائلة الرصاع هي من بنت خلال
القرن السابع عشر القصر المسمى حاليا بدار باش حامبة وهذه العائلة كما ذكرنا في
مقالات سابقة كان جدها الاول قد جاء من الجزائر وكان مختصا في ترصيع المنابر
وتربتهم بنهج الوصفان في سوق النحاس. لاحقا باعت عائلة الرصاع هذا القصر لعائلة
النقاش قبل ان يشتريه في عهد حمودة باشا
الحسيني وتحديدا سنة 1798 الحاج أحمد باش حامبة الذي قام أيضا بشراء دار بن بكير
لكي يصبح هذا العقار مطلا على النهج الذي أضحى يحمل اسم العائلة (نهج باش حامبة) لكن الباب الاصلي للدار مغلق حاليا ويتم استعمال
الباب الثانوي الموجود بنهج كتاب الوزير.
والحقيقة انه لا توجد مراجع كثيرة حول عائلة باش حانبة وما هو متوفر يشير
الى أنها عائلة مسلمة تنحدر من منطقة
الأناضول وقد لمع أبناؤها في البحرية التركية وفي الادارة ولكن ما نعلمه أن حانبة
هم حراس الباي وأهله والباش هو قائدهم وأما أبرز شخصيات عائلة باش حانبة فمن دون شك علي باش حانبة أحد زعماء
حركة الشباب التونسي .
استمرت عائلة باش حانبة في هذا القصر الى سنة 1923 ففي هذا التاريخ تحولت ملكيته الى المؤسسة
الكاثوليكية نوتردام دي لسبيرانس
(سيدة الرجاء) بعد شرائه من قبل جمعية
الراهبات الفرنسيسكان ليتحول الى مستوصف ومقر لتعليم الخياطة والطبخ وهي
مصادفة عجيبة جعلت من هذا المعلم الذي ينتمي لعائلة مناهضة للاستعمار ومدافعة عن
ثقافة السكان الاصليين تفرط في مسكنها لهيئات تبشيرية.
انتقلت ملكية دار باش حانبة بعد عدة عقود (سنة 2000) الى مؤسسة
أوريستيادي الايطالية التي حولت هذا الفضاء الى متحف ومقر للانشطة الثقافية
والفنية تحت اسم المركز الثقافي للمتوسط كما تحولت الدار أيضا منذ 2015 الى مقر
لاحدى الجمعيات.
لا تختلف دار باش حانبة كثيرا من
حيث التصميم اذ تؤدي السقيفة الى صحن فسيح مبلط بالرخام الأبيض تحيط به الاروقة و4
غرف في الطابق السفلي ومثلها في الطابق العلوي الذي يخصص عادة لاستقبال الضيوف (علي
الضّياف).
ويتوسط صحن الدار نافورة فيما ترتكز الجداران على أعمدة من الرخام تحليها تيجان كلاسيكية وتعلو هذه الأعمدة أقواس كما هو الحال في كل القصورالمبنية على الطراز العثماني لكن دار باش حانبة ليس فيها هذا التأثير المعماري التقليدي فقط اذ يلمس المتجول في أرجائها لمسات أندلسية وأوروبية وايطالية تحديدا سواء في الجليز والأسقف الخشبية والرسوم التي تحليها وحتى في حديد الغرف ما يجعل من هذا القصر مزيجا من التعبيرات المعمارية والهندسية الرائعة التي تشد الناظر وتفتح باب التأمل في جمالية بناء هذا القصر الذي يجسم كل التحولات التي طرأت على المدينة القديمة سواء من الناحية العمرانية والثقافية أو من الناحية السياسية فمن فترة الازدهار التي ميزت حكم البايات الحسينيين الى فترة الانحدار في أواخر عهدهم والتي أتت بالحماية الفرنسية وما تبعها من تهديد للشخصية والهوية التونسية.
