40
كيلومترا تقريبا هي المسافة الفاصلة بين جرجيس والبيبان فيما هي لا تتجاوز بضعة
كيلومترات انطلاقا من بن قردان ، ولا تحتاج السيارة لأكثر من 30 دقيقة لبلوغ ميناء قرية الجدارية التي بنيت
خصيصا لإيواء البحارة الذين كانوا يسكنون في جزيرة سيدي حمد الشاوش ويعتبر الميناء
ملتقى أغلب الزائرين إلى المنطقة وخصوصا في فصل الصيف الذي تكثر فيه الحركة
السياحية والتجارية وتصبح البيبان قبلة الآلاف من المصطافين.
ومن يقول البيبان فإنما يقصد تلك الجنة البحرية المضمّخة بالزرقة العابقة
بالتاريخ ، ففي هذا المكان استقر الإنسان منذ العصور القديمة وتنافست الحضارات. في دفاتر سيلاكس أو في ما دوّنه سترابون وغيرهما من المؤرخين ذكر لتلك
المدينة الصغيرة المسمّاة حينا زوخيس / Zouchis وأحيانا أخرى
زوخاريس / Zeucharis والتي كانت فيها فيلات وأحواض لتصبير الأسماك
وبقايا مصابغ للأقمشة كما في مدينة كركوان.
مازالت أطلال هذه
المدينة موجودة إلى الآن في "هنشير المدينة" ببن قردان وهي من دون شك
مدينة بونيّة الجذور، رومانية الازدهار شأنها شأن أطلال هنشير بوقرنين ما يفسر إلى
حد بعيد تلك السردية الشعبية التي تزعم أن الرومان هم الذين حفروا في ذلك الذراع
الترابي فدخل الماء إلى السباخ وتشكلت البحيرة ومعها تسع جزر صغيرة. لا شك أن
للبيبان قصة أخرى ومنها ما ورد في دراسة (جان الزوالي / Jeanne
Zaouali) عن هذه البحيرة فهي قد نشأت كما تقول قبل 125 ألف
سنة من انخفاض مستوى سطح البحر فهل
بإمكاننا تخيل المنطقة وقد كانت قبل ذلك بحرا يمتد إلى الأراضي القريبة فيما جزره
التي نراها الآن مغمورة تحت أمواجه المتلاطة؟
أيا كانت السردية
الصحيحة فإن للبحيرة أهمية إيكولوجية عالمية فرضت تصنيفها مع العمق البحري المواجه
لها والسباخ المتاخمة ضمن إتفاقية رامسار للمناطق الرطبة ولعل ما منح البيبان هذا
الامتياز هو كونها أكبر البحيرات في منطقة البحر الأبيض المتوسط إذ هي بطول 33 كلم
على 10 كلم وهذا الإمتداد الشاسع إضافة إلى محافظتها إلى حد كبير على مخزونها الطبيعي جعلها تغطي 8 مميزات أساسية في
الإتفاقية المذكورة منها ما يتعلق بالطيور البحرية النادرة ونمو الأسماك الصغيرة
ونوعية الأعشاب البحرية وتغذية الأسماك المهاجرة.
قد يتساءل القارئ
: وماذا عن البيبان أي هذا الإسم الغريب الذي أطلق على المكان والجواب يكمن في تلك
الفتحات المحاذية للجزر والتي تشبه البوابات التي تنساب منها مياه البحر وتدلف
عبرها الأسماك لتتغذى وتكبر قبل أن تعود إلى عمق االبحر .
عندما وصلنا إلى ميناء الجدارية كانت المراكب
رابضة في أماكانها فبعضها عاد من رحلة صيد صارع خلالها الأنواء والبعض الآخر ربما لم
يغادر المرسى توقيا من المخاطر فيما كان أحد الصيادين مشغولا بترقيع شباكه استعدادا
لموسم الشوابي / السوبيا الذي على الأبواب.
انخفض مردود البحيرة خلال الأعوام الأخيرة
بسبب الإعتداءات المتكررة على منظومتها البيولوجية ورغم ذلك لم تنقطع خيراتها فهي
تنتج مختلف أنواع الأسماك والقشريات حسب المواسم وخلال هذه الفترة تحديدا فإن
الزائر سوف يجد القراض والقاروص والبوري والشلبة والشباط الذي يتجاوز وزنه أحيانا
العشرة كيلوغرامات إضافة إلى القرنيط الذي يباع بسعر مشط جدا إذا ما قارناه
بالأسعار في بعض مناطق البلاد ، وفي البحيرة أيضا أنواع أخرى من الأسماك من أهمها
الوراطة والمعزول والدرغال فضلا عن الكروفات وعقرب البحر وغيرها.
تبين الأرقام
الرسمية التدهور المتزايد لإنتاجية بحيرة البيبان حتى بعد إعتماد نظام الراحة
البيولوجية والذي لم يتم احترامه في الواقع ، فالانتاج تراجع إلى 150 طنا في 2020
بعد أن كان في حدود 237 طنا سنة 2017 وجزء من المشكل سببه عدد من البحارة الذين
يمارسون الصيد العشوائي إضافة إلى تصرفات بعض الخواص.
على بعد كيلومترين
من صلب الغربي وعلى أرض أكبر الجزر أنشأ أحد المستثمرين منتجعا يتضمن إقامة سياحية
وبعض المرافق الترفيهية التي تستقبل أعدادا كبيرة من الزوار خلال الفترة الصيفية
خصوصا حيث يتم التنقل بواسطة إحدى المراكب ويتضمن برنامج الرحلات غداء وبعض
الفقرات الترفيهية.
يتوسط الجزيرة
استحكام إسباني قديم صار مركزا للمرابطة
ثم قبرا لرجل صالح يدعى أحمد الشاوش ما يبين الأهمية الاسترتيجية لهذا المكان الذي ظل باستمرار آهلا بالسكان ونقطة
مراقبة للملاحة منذ العهد الروماني وخلال الحقبة العثمانية التي كانت فيها البحيرة
مقسمة بين إيالتي تونس وطرابلس وحتى خلال الفترة الاستعمارية فإن الجزيرة حافظت
على هذا الدور العسكري.
رغم إنتماء
البيبان إداريا لمعتمدية جرجيس فإن قسما كبيرا من البحيرة محسوب على مدينة بن
قردان التي أنشأت على ساحلها مرافق سياحية وترفيهية لأهاليها وللزائرين وشيدت في
مرسى القصيبة مركزا للاصطياف والتربصات وهذا دون اعتبار أن عددا من بحارتها يعملون
في البحيرة وهي مورد رزقهم الوحيد وهكذا فالبيبان هي متنفس كبير لجزء كبير من
الجنوب الشرقي وهي وجهة رائعة لمن يريد إكتشاف تونس الجميلة البعيدة عن صخب المدن
وزحام المناطق السياحية الكبرى.
