من العاصمة الى سواحل واد العبيد والرتيبة
التي تشكل جغرافيّة متصلة أو بحرا واحدا لا بد من المرور عبر سليمان ثم الطريق
الجهوية 26 المؤدّية الى قرية بير مروّة وللزائر بعدها أن يختار إما مواصلة السير
لعدة كيلومترات إلى أن يبلغ مدخل المسلك المؤدي إلى غابة الرتيبة وعبور هذه الغابة
حتى الشاطئ ، أو ينعرج من بير مروة يسارا للذهاب إلى قرية المرناقية ومنها الى
شاطئ مرسى الأمراء ليبدأ رحلته الاستكشافيّة.
لا شك أن الخيار الثاني هو الأفضل فالمسار
أشبه بسلسلة من المشاهد الرّائعة منذ أن يتجاوز الزائر مرسى الأمراء ويصعد الى
الهضاب المحاذية ما يسمح بالإشراف على شواطئ صخريّة وعرة وتأمل الأمواج البيضاء
المتدافعة والتوقف برهة أمام أزهار الأكليل والخلنج واستنشاق روائح الزعتر
والقضّوم والرّيحان وغيرها من الأزهار والنباتات البرية.
للوصول الى الشاطئ الأقرب وهو شاطئ واد
العبيد يتعين السير قرابة 3 كيلومترات لكن قبل ذلك يمكن الاستراحة لبعض
الوقت في شاطئين رملييّن صغيرين لا تكاد تطأهما الاقدام على امتداد فصول السنة أو
الوقوف على الصخور والاستمتاع بصوت البحر الهادر وخلال هذه الرحلة المثيرة حقا سوف
يظهر في الأفق البحري أرخبيل الجامور أو أرخبيل زمبرة المصنف محمية طبيعية وستبدو
مراكب الصيادين التي تعود كل يوم محمّلة بخيرات البحر ، علما بأن جانبا من هذا
المسلك لا يمكن المواصلة فيه عبر الشاطئ لوجود منحدرات صخرية خطيرة ومن ثمة
فالطريقة الوحيدة للاستمرار في المشي نحو رمال شاطئ واد العبيد هي عبر المرتفعات
المحاطة بالحقول وبغطاء نباتي كثيف احيانا.
حقا لا يمكن الحديث عن شاطئين (واد العبيد
والرتيبة) فالوادي الذي يتغذّى من مرتفعات جبل سيدي عبد الرحمان ومن عدد من
الأودية والمجاري المائيّة الصغيرة ، هو الذي يشكل خطا فاصلا بين هاتين النقطتين
البحريّتين الرّائعتين وهذا الخط الوهمي المتمثل في مجرى النهر الذي يصب في البحر
هو الذي جعل شاطئ الرتيبة منفصلا بذاته.
أيا كانت التقسيمات والأسماء فان هذا
السّاحل الشاسع المتكئ على كثبان رملية عالية والذي تحيط به منابع مائية عذبة
وتحاذيه غابة يبلغ طولها 10 كيلومترات وعرضها في بعض الأماكن قرابة 5 كيلومترات ،
هو في الواقع جزء من منطقة إيكولوجية فريدة من نوعها في تونس تعيش فيها أنواع
عديدة من الحيوانات البريّة والطيور المهاجرة وتغطيها مئات النباتات والأشجار .
إنها بلا شك واحدة من المناطق الساحلية
الرّطبة التي لا تقل أهمية عن نظيراتها في تونس أو في حوض المتوسط كما أن تأثيرها
على التوازن الطبيعي يتجاوز محيطها القريب ولذلك فليست تلك الشواطئ الجميلة
والساحرة فقط ما يميز جهة (واد العبيد – الرتيبة) بل كل المنظومة البيئية بعناصرها
المختلفة.
قد لا يعرف الكثيرون أن في منطقة وادي العبيد
قرابة الخمسين نوعا من النباتات النادرة من جملة ألف تقريبا في شبه جزيرة الوطن
القبلي و قد لا يتخيل التونسي وجود بعض الأنواع من الحيوانات بينما الواقع عكس ذلك
تماما فهنا يعيش ثعلب الماء (loutre) والضربان (porc-épic) والخنازير والثعالب وابن آوى
والزيرده (genette) والنمس
وابن عرس فيما الطيور الجوارح بأنواعها حاضرة في هذا الفضاء الفسيح الممتد من قربص
الى الهوارية بجباله وكهوفه وتضاريسه القاسية التي تشكل مكانا مناسبا للتعشيش .
المنطقة تزخر كذلك بعشرات الأنواع من
العصافير والطيور الموسمية المهاجرة وبمختلف أنواع السلاحف والقوارض والعصافير
والفراشات وهذا المخزون الحيواني الكبير يتوزع بلا شك بين وادي العبيد وغابة
الرتيبة.
الطريق إلى بحر واد العبيد يبدو ممتعا
وسهلا نسبيا لكن طريق بحر الرتيبة لا يقل متعة وجمالا فالمسلك الرملي الذي لا يقل
طوله عن الكيلومترين والنصف يشق الغابة قبل أن يتزايد سمك الرمال كلما اقترب
الشاطئ ما يجعل من المستحيل على السيارات الصغيرة إكمال المسير وأما من اختار
المشي فستظلّه أشجار الصنوبر والأكاسيا والسّرو والكلاتوس والنخيل القزم والزيتون
البري وعديد النباتات الأخرى التي تم إدخال بعضها الى هذه البقعة للمحافظة على
الحزام الرملي ومقاومة الانجراف .
لا شك أن شاطئ"الرتيبة" هو أحد
أطول الشواطئ في بلادنا فهو يمتد من حدود واد العبيد إلى تخوم شاطئ بير الجدي
بمعتمدية الهوارية وفضلا عن ذلك فان ما يميز بحر الرتيبة حقا هو العرض الكبير
لحيّزه الرملي ما يجعله مناسبا جدا لممارسة العديد من الرياضات البحرية كسباقات
الألواح الشراعية والقوارب وأيضا الرياضات الميكانيكية كسباقات الدراجات النارية
ولا غرابة في ذلك فالشاطئ واسع جدا ناهيك أنه تمت به تجربة السيارات الجديدة لبعض
العلامات التجارية.
من يقول الرتيبة يقول أيضا أفضل الأمكنة
للتخييم ولممارسة الصيد بالقصبة والفوز بأفضل الأسماك وأكبرها حجما ولذلك كثيرا ما
يعج الشاطئ في نهاية الأسبوع خصوصا بهواة هذه الرياضة أو ببعض العائلات التي تأتي
للترويح عن النفس إذا ما كان الطقس صحوا في هذه الفترة أما صيفا فالحركية بلا شك
أكبر بكثير ومن ورائها العديد من الإشكالات البيئية.