ياسين بن سعد - كنوزنا
تقع المدرسة المنتصرية في نهج الزنوج الذي يتوسط تقريبا سوق النحاس وهو نهج
ضيق جدا تحولت بيوته القديمة الى ورشات للحرفيين ومنها مقر التأمين على الحريق الذي
يعود الى الفترة الاستعمارية (1819) وهو بيت عتيق جدا مازال في حالة جيدة وقد استغربنا
فعلا عندما دخلنا اليه من استغلاله كورشة كما يوجد بهذا النهج تربة آل بيرم وفيها ضريح
الشيخ محمد بيرم الأول وهو جد شيوخ هذه العائلة وهم محمد بيرم الثاني ومحمد بيرم الثالث
ومحمد بيرم الرابع ومحمد بيرم الخامس وكان بالنهج أيضا جامع وقبر الشيخ الرصاع وهو
من كبار شيوخ جامع الزيتونة وقد اندثر المسجد نتيجة الاهمال.
طرقات النحاسين
تشعرك بأنك اقتربت من الوصول الى المدرسة المنتصرية لكن قبل ذلك عليك بعبور نهج
القصبة ثم سوق القرانة ومنه الى سوق النحاس وهو أحد أقدم الأسواق في المدينة
العتيقة حيث يعود انشاؤه الى القرن الثالث عشر الموافق لبداية عهد الدولة الحفصية.
الطريق كما يتضح
سفر في حقب تاريخية مختلفة فهذه الأنهج ترتبط بممالك وثقافات متنوعة واذا كان نهج
القصبة يحيل على الثقافة الاسلامية ومركز الحكم من الحفصيين الى العثمانيين فان
سوق القرانة عنوان التعايش بين الديانات وهو الذي احتضن اليهود الليفورنيين
القادمين من ايطاليا لكن بعض الأنهج تثير بتسمياتها الحيرة كما هو حال نهج الزنوج
الذي توجد به "المنتصرية".
المدرسة المنتصرية هي إذن أيقونة نهج الزنوج أو ما كان يسمى سوق الفلقة على
عهد السلطان الحفصي أبو عبد الله محمد المنتصر الذي أمر ببناء هذه المدرسة سنة
1434 م.
تولى هذا السلطان الحكم بعد وفاة جده أبي فارس عبد العزيز المتوكل الذي
يعتبر من أبرز سلاطين بني حفص كما يشير إلى ذلك محمود مقديش في كتابه (نزهة
الانظار في عجائب التواريخ والأخبار) حيث يقول عنه "هو واسطة عقد بني حفص
واليه انتهى شرفهم فهو غاية ارتفاع قوس شمس عزهم ونهاية أوج ملك فخرهم فمنه أخذ
قوس شمس عزهم في الانحطاط حتى بلغ حضيض الاهانة والخسران في أيام الحسن
وأولاده" وهكذا فالمنتصر قد تولى الحكم عن سلطان مهيب له مآثره وانجازاته
داخليا وخارجيا وقد كان يرجى أن يواصل على سيرة جده لكنه لم يعمر فقد حكم لسنة
وشهرين و12 يوما توفي بعدها وحتى المدرسة المنتصرية فانها لم تكتمل في عهده بل في
عهد شقيقه السلطان أبو عمرو عثمان الذي تولى الحكم وعمره
17 عاما وكان ذلك سنة 1437 م.
لم يترك أبو عبد الله محمد المنتصر انجازات كبيرة تدل عليه وذلك راجع كما
هو واضح الى قصر فترة حكمه ثم وفاته سنة
1435 م وأيضا الى انشغاله بالفتن الداخلية التي كانت تهدد سلطته الغضة وقد ذكر ابن
الشماع في كتابه (الأدلة البينة النورانية في مفاخر الدولة الحفصية) بعضا من مناقب
هذا السلطان قائلا "ولما ولي رحمه الله أخرج مالا كثيرا تصدق به على أهل
المدارس والزوايا وذوي الحاجات والمرضى المزمنين والأرامل والأيتام ووجه مالا
جليلا لأهل جزيرة الأندلس تصدق به على المجاهدين وأمر رحمه الله ببناء زاوية الشيخ
الصالح سيدي أحمد بن عروس وبنى سقاية الماء بداخل باب أبي سعدون وأوقف عليها ما
يكفيها فكانت من أعظم القربات وشرع في بناء مدرسة ضخمة بالقرب من سوق الفلقة من
حاضرة تونس ".
بعد وفاته تولى شقيقه أبو عمرو
عثمان كما ذكرنا آنفا استكمال بناء هذه المؤسسة التعليمية والدينية التي حظيت
بمكانة خاصة وفي ذلك يقول محمد بن الخوجة في كتابه (معالم التوحيد في القديم وفي
الجديد) أن أبو عمرو عثمان " وقف عليها أوقافا واسعة ورتب بها دروسا للعلم
وممن أقرأ بها في زمنه الشيخ أحمد القسنطيني ويستفاد من تاريخ الشيخ ابن أبي دينار
أن هذه المدرسة تلاشت أحوالها بعد الألف فوقع تجديد عمارتها في سنة 1679 وهذا
التاريخ يوافق مدة علي باي المرادي وكان من شيوخها في القرن (19)...الشيخ
أبو الفلاح صالح الكواش ووليها بعده الشيخ محمد ابن سلامة فالشيخ علي العفيف
فالشيخ سالم بوحاجب". أما خلال الفترة المرادية فالوثائق المتعلقة بالوقف
تشير حسب بن الخوجة الى أنه كان للمدرسة المنتصرية عدة أوقاف تسمح بتسيير شؤونها
ومنها مرتبات "للمدرس بها وهو الشيخ العلامة الراوية المحدث أبو عبد الله
محمد ابن الفقيه أبي العباس أحمد الشيخ وللمؤذنين ولقائمي الليل وللتسييق واسراج
المسجد وللزيت والقناديل بها وعلى من يقرأ بها أحزاب القرآن العظيم بعد صلاة الصبح
وبعد صلاة المغرب بالمد والقصر مع قراءة وظيفة الشيخ سيدي أحمد زروق بعد صلاة
الصبح".
تناهز مساحة
المدرسة 580 مترا مربعا وهي بذلك من المدارس الكبرى التي تم انشاؤها في العهد
الحفصي من أجل ترسيخ المذهب الموحدي وتعزيز حكم السلاطين الحفصيين الذين اهتموا
بالعلم والعلماء وأجزلوا العطاء لهذه المؤسسات وللقائمين عليها وفضلا عن كبر
مساحتها فالمنتصرية أيضا مدرسة عتيقة جدا اذ يبلغ عمرها 583 سنة وهي رغم هذا العمر
الطويل الممتد قد حافظت إلى حد كبير على هيكليتها الأصلية وصمدت في وجه الزمن الى أن تم ترميمها سنة 1995 حيث شملت الأشغال تعزيز
الجدران وصيانة وتجديد العناصر القديمة المشكلة لهذا الفضاء من خشب وحجارة اضافة
الى تهيئة الفناء الذي تقترب مساحته من المائتي متر مربع وذلك قبل أن تجعل منها
بلدية تونس روضة للاطفال.
منذ الوهلة الأولى
يمكن تبين المميزات الفريدة لهذا المعلم التاريخي الذي يشبه قصور العائلات الثرية فالجدار
الخارجي مبني بالصخور الرملية النادرة والبديعة المرصوفة باتقان شديد وهذا التميز
يبرز أيضا في الهندسة الداخلية اذ المدرسة تتكون من طابق واحد أرضي وتخلو من
الأروقة التي تميّز عادة المدارس ذات الطابع العثماني والتي بنيت خاصة خلال الفترة
الباشية أو في العهد الحسيني ومقابل غياب الاروقة تم بناء أواوين وهي عبارة عن مداخل كبيرة
ومفتوحة وتحيط بهذه الاواوين الغرف التي كانت في مضى مخصصة للطلبة وأيضا المسجد
الذي يبدو أنه قد خضع الى الترميم من قبل الشيخ أبي الغيث القشاش .
التأثيرات
الهندسية تبدو هنا شرقية وفارسية بالأساس وهي تذكر بعديد المعالم الأثرية من
القاهرة الى بغداد وبالرغم من البساطة الهندسية وغياب الزخارف والنقوش والمواد
الثمينة مقارنة بالمدارس الأخرى فان جمالية "المنتصرية" تكمن في هذا
الجانب تحديدا وفي روحها الأصيلة التي تحيل على آخر فترات ازدهار الدولة الحفصية.
