للٌة خافية : حكاية مسجد القصر بالقلعة الكبرى...

 


كنوزنا – ياسين بن سعد

كان القصر قلب القلعة الكبرى النابض بالحياة وكنا صغارا نركض حواليه في نهجنا الضيق المتعرج الذي لا يؤدي لأي شارع آخر ...بيوتنا العتيقة كانت نسخة جميلة من بيوت القصر وسكانه ...كنا أطفالا نلهو ونعرف الأسماء والألقاب وندفع الأبواب دون خجل لننادي أحدنا أو نأكل شيئا أو نقضي شأنا ما أرسلت من أجله أمهاتنا .

نتذكر العائلات التي كانت جيرانا لنا بعضها بقي والبعض الآخر رحل وأما سكان القصر فقد أجبروا قبل الجميع على ترك منازلهم والانتقال إلى مكان آخر... 100 عائلة غادرت حاملة معها ذكرياتها ليبقى القصر أطلالا حزينة ومرتعا للعقارب والثعابين ...وملعبا عشوائيا خضنا فيه مباريات كرة القدم واستضفنا فيه الأحياء المجاورة.

في هذا الحصن التاريخي العريق لم يصمد لبعض الوقت إلا معلم واحد هو المحرس / المسجد "للّة خافيةّ"...أغلبية أهل القلعة لا يعرفون هذا المعلم وأما نحن فهو جزء راسخ من ذكريات طفولتنا ...في أيام الصيف القائظ  كنا نجلس على بوابته السميكة لنستنشق الهواء النقي القادم من الواجهة البحرية وننظر بفضول شديد إلى داخل هذا المكان الذي كانت له مكانة خاصة في نفوس سكان الأحياء القريبة من القصر خصوصا ...أحياء السوق والبطحاء وباب الجامع وحينا العتيق حي القصر الذي تجاوزت بيوته جغرافية ذلك الحصن المرتفع الذي كان يطل بشموخ على القلعة الكبرى.

كانت الاعتقاد السائد عند نساء القلعة أن في هذا المكان أي "للّة خافية" بركة وأسرارا وكان بعضهن يأتي ليلا لإيقاد بعض الشموع دون أن يلفتن الانتباه وأما نحن فلم نكن نفهم حقا ما يجري لكن منظر الشموع في ليل القصر الحزين الذي هجّر سكانه كان منظرا جميلا يبعث على الهدوء والسكينة في ذلك الزمن أي سبعينات القرن الماضي.

لوقت طويل ظل القصر مهجورا لا يؤدي إليه إلا مدخل واحد من جهة السوق ومقهى البلدية ثم تهدمت جدرانه العالية تدريجيا وصرنا ندلف إليه من الجانب المطل على نهجنا المغلق الذي كانت فيه عدة عائلات ...ظلت "للّة خافية" قائمة في المكان لوحدها في فراغ وصمت مطيق كئيب فكل البيوت قد سويت بالأرض وحتى زقاقنا الصغير فقد تم فتحه بعد أن هدمت دار جارنا البحري سويلم التي كانت في آخره ليفتح الزقاق على حي سيدي زايد الذي تشكل وتوسع حول مقام هذا الولي الصالح.

لاحقا سوف يهدم مسجد "للة خافية" بعد محاولات متكررة لتغيب تحت تراب القصر الذي تم حفره حتى أصبحت أرضيته في مستوى أرضية نهج بيتنا وزقاقه بعد أن كانت تعلو البيوت المحيطة بعدة أمتار وفي الأثناء لم ينتبه أحد من أبناء القلعة ومثقفيها لما لهذا المكان من أهمية تاريخية وحضارية فبين أسواره وتحت ترابه يختفي تاريخ القلعة القديم والحديث وهو تاريخ في نظرنا أعرق وأهم مما اكتشف ومما كتب عنه وإن كنا لسنا بباحثين أركيولوجيين ولا علماء في الآثار وربما كانت "للّة خافية" آخر فرصة لنا نحن أبناء هذه المدينة العريقة للبحث والتننقيب عن جذور القلعة القديمة وكنوزها المخفية تحت ستار الجهل واللامبالاة والتجاهل.

عندما كبرنا فهمنا أخيرا أن هذه المساجد الصغيرة ليست في الوقع سوى رباطات أغلبية أو محارس حفصية أقيمت في الأماكن المرتفعة لحماية المدن من الهجمات الخارجية وكما تدلنا كتب الرحالة والجغرافيين العرب والأجانب، والأبحاث التاريخية التي أنجزت في تونس فإن قسما هاما من المحارس الحفصية التي بنيت حولها قرى ومدن معروفة في تونس وفي الساحل التونسي هي في الأصل رباطات أغلبية أقام بها الصالحون للعبادة والحراسة.

في كتابه عن الرباطات البحرية يؤكد ناجي جلول أن النواة الأولى للمحارس الأغلبية كانت سنة 772 م أي في عصر يزيد بن حاتم المهلبي فهل من المعقول أن الدولة الأغلبية التي عاشت أكثر من قرن من الزمان لم تبن رباطات ومحارس أخرى في قرى الساحل التونسي ومن يدرينا أن ذلك المعلم العتيق الذي تم هدمه وتحطيمه في قصر القلعة الكبرى لم يكن إلا رباطا أغلبيا وليس محرسا حفصيا أو مركز مراقبة عثماني أو مسجدا كغيره من المساجد الصغيرة التي بنيت ضمن هذه الاستحكامات العمرانية المسماة بالقصر؟

كانت القلعة الكبرى موجودة من دون شك في العهد الحفصي أي منذ القرن الرابع عشر حسب المخطوطة التاريخية التي اكتشفها حديثا الباحث في التاريخ ومحافظ التراث بمدينة سوسة محمد علي الخرشفي لكن مؤرخ الدولة الحفصية برنشفيك وهو يتحدث عن القلعة الصغرى فإنما كان يثبت قبل ذلك وجود القلعة الكبرى بجوارها لتكون القلعة واحدة من أقدم القرى التونسية على الاطلاق في العصر الوسيط وربما كان للمدينة وكما أشرنا آنفا تاريخ أغلبي غير معروف فهل تكون المعالم التاريخية المتبقية في المدينة مجالا للبحث والتنقيب عن حقائق وأسرار جديدة ؟

نعود إلى "للّة خافية" لنشير إلى هذا المسجد / الرباط ، قد اندثر وكان موقعه في الفسحة المقابلة تماما لمبنى المعتمدية ومواجها تماما للمدخل الترابي للقصر الذي لا شك كانت له بوابة في وقت من الأوقات.   

 


أحدث أقدم

نموذج الاتصال