المهدية...أبرز العائلات وأهم المعالم



كنوزنا – ياسين بن سعد

من رماد الحروب ولدت المهدية دائما كطائر الفينيق ...لم تكسرها سنابك خيل الرومان ولا أحقاد الصليبين ولم تفلٌ في عزيمتها الفتن والحروب الداخلية ...كانت ذات الهلالين دائما تنهض لتظل أيقونة السواحل التونسية ويبقى برج الراس مرفوع الرأس بين الموانئ والأحياء التاريخية في كل العالم الإسلامي.

رغم ما قاسته وعانته نجحت المهدية في الاحتفاظ بمعالمها الأساسية التي تستوقف كل زائر وأوّلها الجامع الفاطمي أو الجامع الكبير فهو الأيقونة التي تختصر عظمة هذه المدينة التي بنيت لتكون على شكل قلعة ضخمة محصّنة من الهجمات الخارجية .

في كتاب الرحلة يذكر التيجاني كيف هندس عبيد الله الشيعي مدينة المهدية فهو بعد أن حصّن الميناء البونيقي " ابتنى دار الصناعة (مصنع السفن الحربية) ...ثم شرع في حفر الأهراء (مخازن) بداخل المدينة وبنى الجباب (صهاريج)...وكان اتساع المهدية في أول بنائها من الجوف الى القبلة قدر غلوة سهم (185 مترا) فاستصغرها المهدي فردم من البحر مقدارها وأدخله في المدينة فاتسعت ...والجامع الأعظم الآن من جملة ما ردم من البحر".

سيكون الجامع حكرا على الخليفة وحاشيته وحرسه الكتّامي وقد أظهرت الحفريات التي أجريت في بداية الستينات آثار الممر الخاص بعبيد الله المنطلق من قصره والمؤدي إلى داخل بيت الصلاة وهذا الممرّالمسقوف كان يستند الى أعمدة وأقواس وتعلوه عدة قباب . لم يبق لهذا الممر أثر فالجامع قد عرف عدة أحداث مأساوية حيث استبيح من الاسبان فتم تحويله الى كنيسة ومقبرة. خضع الجامع أيضا الى عدة تغييرات في فترات لاحقة فلم يبق من مكوّناته الأصليّة الا الرواق والواجهة الشماليّتان  ولم يتم استعادة تصميمه الاصلي الا انطلاقا من سنة 1962 بعد أعمال الترميم التي خضع لها وهو الذي آل في الخمسينات الى ما يشبه الانهيار التام .

لا شك أن الجامع الفاطمي المبني فوق صخرة مرتفعة مطلة على البحر هو من أجمل معالم المهدية بمدخله الذي يشبه قوس النصر وأروقته الفسيحة وهندسته الفاطمية المميزة فهو بلا مئذنة ويشبه الى حد كبير الحصون والقلاع الحربية وقد شكل نموذجا اقتدي به في بناء عديد الجوامع عند انتقال الخلافة الفاطمية الى القاهرة.

بعد أن كانت أكثر مدن افريقية تحصينا ومنعة سقطت المهدية في صباح الأيام الأولى من شهر سبتمبر سنة 1550 بيد قوات شارل الخامس .

كان سقوطا مدويّا بعد أشهر من الحصار والقصف الذي قاده الأميرال أندريا دوريا وقد دوّن المؤرخ  الغرناطي لويس دل مارمور كارفاخال تفاصيل هذا الهجوم الحاسم.

لن تبقى قوات شارل الخامس في المهدية طويلا ففي سنة 1554  قرر الملك سحب قواته وأمر في الآن نفسه بتدمير المدينة فتم استخراج عظام القتلى المسيحيين من باحة الجامع الفاطمي قبل تلغيم الأسوار وتفجيرها فصارت أثرا بعد عين.

تقدم لنا رواية الغرناطي الذي كان شاهدا على هذا الفصل الأليم مآل أسوار المهدية التي لا يوجد لها أثرواضح حاليا ، وكان لا بد من هذه الإضاءة  حتى نبيّن لماذا هي من دون أسوار كالمدن التونسية الأخرى ...لاحقا سوف ينجح الأتراك في إخراج الاسبان من تونس (1574 م) وسيدخلون مدينة المهدية وهي خالية من سكانها وسيبنون البرج الذي سمّيت به منطقة برج الرّاس (المدينة القديمة).

شكل الجنود الانكشاريّون المقيمون بهذا البرج الذي يعود إنشاؤه الى نهاية القرن السادس عشر (1595 م) النّواة الأولى التي جاءت منها العائلات (التركية / المهدويّة) وهي بالخصوص عائلات حمزة (الأناضول) وبوشناق (البوسنة) وصفر وخواجة (ألبانيا) وبن رمضان ولازوغلي أو بوصفّارة (الجبل الأسود) إضافة الى عائلتي سنان والبندالي وغيرها ومن ثمّة فجزء من الإرث الاجتماعي والديني للمهدية يرتبط بهذه القلعة الحربية الحصينة والضّخمة التي توجد على مقربة منها بقايا قصر القائم وتلك الصهاريج المائية الفاطمية.

في كل ركن من المدينة العتيقة بالمهدية سرديّات ثقافية متفردة لعل أهمها تلك المساجد العتيقة التي تدهش قاصديها بمعمارها البديع وبتقاليدها الفريدة ولعل أهمها مسجد الحاج مصطفى حمزة الذي بني في 1778 م في مكان مسجد من العهد الحفصي. في المدينة أيضا شواهد على التنوع الديني الذي تعكسه كنيسة سيدة جبل الكرمل فهي قد بنيت سنة 1848 م في أوج الحضور الأوروبي والمسيحي بالمدينة التي كان بها في الآن نفسه عدد هام من اليهود .

دروب برج الراس تحفل كذلك ببيوت من الزمن الجميل وبمقاه وحمامات قديمة وهي تذكرك في كل لحظة بأن هذه المدينة تنام وتصحو في حضن الأزرق الكبير، وبأن التجوال عبر شارع كاب أفريكا أو عبر شارع البرج العثماني هو رحلة مشهديّة تراوح بين المعالم التاريخية والمنازل العتيقة وموسيقى الأمواج وصولا الى المنارة وراس افريقيا.

لا شك أن إحياء المدينة العتيقة إنما هو ترجمة لإصرار المهدية على أن تستعيد شيئا من ألق الماضي ولعلّ في تمسّك العائلات المهدويّة بمساكنها التي تشكل 45 بالمائة من هذا الفضاء التاريخي ،وبمعمارها الأصيل دليل على ذلك لكن المدينة أيضا سوق حرفيّة وسياحيّة وفضاء اجتماعي متنوع يقطنه مئات الموظفين والبحّارة وحتى الأجانب الذين طاب لهم العيش في هذا المكان.

المهدية هي أيضا ومن دون شك سلسلة من الشواطئ الرّملية الساحرة التي تمتد على ما يقارب الـ 13 كيلومترا منها فسحة شاطئية على طول 4 كيلومترات وهي أيضا شواطئ صخرية مفعمة بالذكريات وبالمواقع الأثرية المتبقيّة من مختلف الحقب الحضارية .

 حقّا لا يمكن لزائر المهدية أن يغادرها دون أن تترك في نفسه أثرا عميقا فهي مدينة ساحرة وأصيلة وعميقة ، محافظة على هويّتها وهي أيضا مدينة بحريّة تعبق فيها روائح الماء والملح ويعطي فيها البحر كل خيراته.



أحدث أقدم

نموذج الاتصال