البقالطة / تابسوس : من يوليوس قيصر إلى الأغالبة

 


كنوزنا – ياسين بن سعد

من العاصمة إلى البقالطة عبر الطريق السيارة 206 كلم أما من عاصمة الجنوب صفاقس فالمسافة في حدود 143 كلم فيما تبعد المدينة عن المنستير 27 كلم وعن سوسة 47 كلم والمهدية 16 كلم وأما سواحل الديماس فيتطلب الوصول اليها قطع 5 كيلومترات أخرى عبر الطريق المعبد الذي يعبر وسط المدينة والحقيقة أنه لا يوجد طريق واحد إلى الديماس فعديد المسالك توصل إليه حتى من طريق منطقة الزبيد حيث الرصيف البحري الصغير والبحر الميت المتواصل مع سواحل طبلبلة في جهة الشمال.

 على أعتاب البقالطة / "تابسوس" أو رأس الديماس تغيّر مجرى التّاريخ القديم ،بقي أن هذا المكان ليس فقط مدينة تاريخية بل هو أيضا شاطئ من أجمل شواطئ تونس.

رغم أهمية "تابسوس الرومانية" ، فإن جذور المدينة أعرق من هذه الحقبة إذ هي تعود إلى القرن السابع قبل الميلاد ، ولعل مدافنها الممتدة لأكثر من كيلومترين هي من الشّواهد الأساسيّة على الحضور البونيّ  في هذه المنطقة التي كانت ميناء تجاريا مزدهرا. سوف ترتبط تابسوس مع ذلك بالمعركة الكبرى (46 ق م) التي جمعت 70 ألفا من الجنود والفرسان الجمهوريين و50 ألفا من جنود يوليوس قيصر ووظف فيها ميتيلو سسكيبيو 60 من الفيلة التي شتت القيصر شملها عبر النفخ في أبواق عملاقة فداست هذه الفيلة على أصحابها وانهزم الجيش الجمهوري.

لن يدخل القيصر المدينة وسيواصل رحلته نحو المرافئ الشماليّة لكنه سيعاقب تابسوس التي لن تستعيد ألقها إلا انطلاقا من القرن الثاني متحولة إلى مستوطنة قيصرية colonie julienne ولاحقا سيتوسع عمرانها فتبلغ مساحتها 41 هكتارا ويصبح لها سور وميناء تجاري يمتد رصيفه  داخل البحر كيلومترا ،وهذا الميناء سوف تأتيه السفن من روما وتذهب منه أخرى الى سرت ومصر والشام وغيرها من الموانئ المتوسطية.

من المدينة الرومانية تبقت عديد المعالم منها الكوليزي أو المسرح المدرّج وهو الثاني من حيث الأهمية بعد مسرح الجم ،وقسم من حجارة هذا المعلم استعمله الفاطميون في بناء السقيفة الكحلاء بالمهدية . تبقّت أيضا حنايا المياه وفي هذا الاطار يخبرنا الأستاذ عامر يونس في دراسته عن تابسوس أن " طولها يناهز 2284 م وهي كانت تصب الماء المجلوب إلى المدينة في 26 فسقيّة ضخمة" .

آثار تابسوس بقيت منها أيضا الحمامات العامة والخاصة وشواهد من الفيلات الفخمة التي كانت مساحة بعضها 600 مترمربع ، كما كشفت الحفريات عن لوحة فسيفسائية عملاقة تصور أبطال المدينة في ألعاب القوى وتم العثور على حوض للتعميد يرجع إلى الفترة البيزنطية وهو معروض حاليا في متحف سوسة وهذه الآثار هي النزر اليسير من تاريخ المدينة التي مازال بعض معالمها مدفونا في التراب أو تحت البحر.

لا يستغرق الوصول إلى شاطئ رأس الديماس بالسيارة أكثر من ربع الساعة ، وفي قلب البقالطة أو على الطريق كل ما يحتاجه الزائر من محلات للمواد الغذائية ومن غلال وخضراوات فالبقالطة مدينة فلاحية بامتياز وهي أرض الفلفل البقلوطي الشهير الذي تسمت به الجهة وأرض أصناف متعددة من التين الذي يعرضه الفلاحون وأصحاب الحقول هذه الأيام على حافة الطرقات من الديماس وإلى حدود الجارة المهدية ما يضيف إلى الحركة السياحية بعدا آخر تجاريا إذ يتوقف المصطافون الذين يقصدون الديماس وكذلك سيارات بعض التونسيين العاملين بالخارج لشراء "الكرموس" البيولوجي والهندي.

يبقى رأس الديماس أشهر شواطئ البقالطة لجماله الأخاذ ولوجود معالم تاريخية مهمة على مقربة منه ولذلك فكل شيء في هذا المكان يحوم حول الديماس أو هو يقترب من التسمية الرومانية تابسوس ونعني بالخصوص المقاهي والمطاعم وغيرها من المرافق.

بحر الديماس يشهد إقبالا مكثفا من المصطافين الذين يتشكلون في أغلبهم من العائلات لذلك يمكن القول أنه شاطئ عائلي بالأساس ، ومع أن السباحة والراحة هما غاية الجميع فإن الجانب الثقافي يمكن أن يكمّل برنامج الزائرين فالمسرح الروماني موجود على بعد 50 مترا فقط من الشاطئ وأطلال القصر القديم على مقربة من المكان وهو يختزل كما يؤكد ذلك ناجي جلول جانبا من تاريخ مدينة تابسوس فقد " أثبتت حفريات هذا الموقع وجود خزف صنهاجي وعثماني وتبعا للطريقة التي ألفها العرب في نقل الأسماء اللاتينية أصبحت هذه المدينة التي احتضنت في العهد الأغلبي أحد مراكز الرباطات الإسلامية تعرف باسم تبصة (من تابسوس) ... ندرة اللقيات الأثرية البيزنطية في خرائب تبصة تدل على تراجع هذه المدينة ... كما أن إنشاء الرباط يندرج في نفس حركة التعمير والاحياء التي عرفها الساحل في العصر الإسلامي ...وهذا الرباط أو الحصن يتعدى حجم الاستحكام الحالي ويشمل تجمعا عمرانيا بأكمله استقرت قربه في القرن الثامن والتاسع الميلادي أعداد هامة من أباضييّ جبل نفوسة كما أنه ليس مستبعدا أن يكون هؤلاء المهاجرون الجدد قد استقروا غربي القصر أي بقرية البقالطة الحالية" .يضيف جلول أن مدينة تبصة قد تم تهميشها حيث لم تعد تمثل في آخر العهد الصنهاجي " إلا مركزا عسكريا يعرف بقصر الديماس نسبة إلى المواجل الرومانية التي مازالت قائمة في هذا الموقع.

حقا لا يمكن وصف سواحل البقالطة سوى بالقول أنها قطعة من الجنة التي إسمها تونس وهذه السواحل تمتد على 13 كلم تقريبا من حدود طبلبة حتى المهدية وهي تضم بالاضافة إلى رأس الديماس بعض الشواطئ الأخرى الرائعة ومن أشهرها الشّرف والبغدادي وهذه المساحة البحرية تستقطب في كل صيف 150 ألفا من الزوار من مختلف أنحاء الجمهورية وخصوصا من قصر هلال والمكنين وصفاقس.

البقالطة هي أيضا نظام ايكولوجي متنوع حول الجزيرة أو "الدزيرة" التي يبلغ طولها 4 كلم وهي أيضا ميناء الصيد البحري بالديماس والذي تعمل به أكثر من 100 وحدة بمحرك وبدونه ، وهذا الاسطول يوفر سنويا قرابة 200 طن من الأسماك.

 

 


أحدث أقدم

نموذج الاتصال