مغلقة وصامتة هي تربة بني خراسان الذين حكموا تونس لفترة من الزمن ولم
تعطهم كتب المؤرخين ما يستحقون من الاهتمام والعناية وكأنهم حدث طارئ على البلاد
أو فئة لا تملك أحقية الملك والتسيٌد على أهل الحاضرة تونس .
رحل الخراسانيون وبقيت آثارهم ومآثرهم في أنهج المدينة القديمة وبقيت أيضا تربتهم
في نهج بن محمود والتي يفترض أن فيها قبورهم مثلما خططوا لكن الواقع حكاية أخرى.
كلما مررنا بهذه التربة أو المقبرة
إلا ووجدناها مغلقة ...أحيانا تتوقف أمامها بعض الوفود السياحية أو الفضوليين
مثلنا المغرمين بتاريخ تونس ومعالمها ومنها بالطبع هذا المعلم المرتب منذ أوت 1999
والذي يعد من أجمل المعالم التاريخية.
من مآثر بني
خراسان لم يتبق الكثير فالقصر الذي كان
رمزا لحكمهم قام على أنقاضه ما بات يعرف حاليا بدار حسين في بطحاء الجنرال أما
مقبرتهم فقد تشتتت ولم يصمد منها الضريح المسمّى حاليا بضريح سيدي بوخريصان.
يطل التاريخ
الخراساني اذن على باب منارة المتصلة بالقصبة مركز السلطة عبر العصور لكنه ليس
تاريخا حافلا بالانجازات السياسية والعسكرية ولا بسلاطين أو ملوك خلدوا أسماءهم
بما عملوه في ما يسمى سابقا بافريقية والحقيقة أن هذا الحضور الخافت للخراسانيين
إنما يرجع إلى كونهم جاؤوا الى إمارة تونس في جلباب ملوك آخرين.
لعب الصراع بين
الفاطميين وملوك صنهاجة الذين قاموا بتوليتهم على تونس بعد انتقالهم الى مصر ، دورا
في ظهور حكم الخراسانيين ويروي ابن عذاري الخلفية السياسية والدينية التي أدت الى
ذلك قائلا : "لما رحل بنو عبيد الى مصر لم يزل ملوك صنهاجة يخطبون لهم
بافريقية ويذكرون أسماءهم على المنابر وتمادى الأمر على ذلك حتى قطع أهل القيروان
صلاة الجمعة فرارا من دعوتهم ...الى أن رأى المعز بن باديس قطع دعوتهم (التشيع)
فكان بالقيروان لذلك سرور عظيم ".
لم يكتف المعز ابن
باديس بالخروج على الخلافة الفاطمية التي منحته لقب "شرف الدولة" بل أمر
خطباء المساجد بسبّ بني عبيد على المنابر كما غيّر العملة حتى لا يبقى لهم ذكر
فيها ثم بايع في 443 هـ / 1051 م الخليفة العباسي أبو جعفر عبد
الله القائم بأمر الله وقد رد الخليفة الفاطمي على هذا التصرف برسالة مشهورة الى
ابن باديس يقول نصّها " أما بعد فقد أنفذنا إليكم خيولا فحولا وأرسلنا عليها
رجالا كهولا ليقضي الله أمرا كان مفعولا" وهؤلاء الرجال هم بالطبع فرسان
القبائل العربية بقيادة بنو هلال والتي أخرجها الخليفة المستنصر من صعيد مصر
ومنحها حرية التصرف في افريقية فعاثت في
البلاد فسادا ودخلت القيروان ومزقت ملك المعز ابن باديس.
كان من نتائج هزيمة ابن باديس أمام الأعراب تمرد بعض المدن الكبرى ولجوء
سكان الحاضرة الى طلب الحماية من ملك بني حماد وفي ذلك يقول ابن خلدون "لما
تغلب العرب على القيروان وأسلم المعز وتحول الى المهدية اضطرمت افريقية نارا
واقتسمت العرب البلاد عمالات وامتنع كثير
من البلاد على ملوك آل باديس مثل أهل سوسة وصفاقس وقابس ...وانقطعت تونس عن ملك
المعز ووفد مشيختها على الناصر ابن علناس فولى عليهم عبد الحق ابن عبد العزيز ابن
خراسان يقال انه من أهل تونس والأظهر أنه من قبائل صنهاجة فقام بأمرهم وشاركهم في
أمره وتودد إليهم وأحسن السيرة فيهم وصالح العرب أهل الضاحية على أتاوة معلومة لكف
عاديتهم وزحف تميم ابن المعز من المهدية اليه سنة 458 هـ ...فحاصر تونس أربعة أشهر
إلى أن صالحه ابن خراسان واستقام على طاعته فأفرج عنه ".
ثم تولى بعد عبد الحق ابنه أحمد سنة 488 هـ / 1095 م بعد أن قتل عمه إسماعيل
الذي كان يستعد للانقلاب عليه ليكون أحمد أعظم ملوك هذه السلالة وعنه يقول ابن
خلدون "ونزع أحمد الى التخلق بسير الملك والخروج عن سيرة المشيخة واشتدت
وطأته وكان من مشاهير رؤساء بني خراسان هؤلاء فاستبد بتونس لأول المائة السادسة (1106
م) وضبطها وبنى أسوارها وعامل العرب على اصلاح سابلتها فصلحت حاله وبنى قصور بني
خراسان وكان مجالسا للعلماء محبا فيهم ...ولم يزل واليا على تونس الى أن نهض سنة (522
هـ / 1128 م ) مطرف ابن علي ابن حمدون قائد يحي ابن العزيز من بجاية في العساكر
الى افريقية وملك عامة أمصارها فتغلب على تونس وأخرج أحمد ابن عبد العزيز صاحبها
ونقله الى بجاية بأهله وولده".
لن تطول سيطرة الحماديين على تونس فقد أدى احتلال مملكة صقلية للمهدية
والمجاعة الشديدة التي عرفتها البلاد الى تمرد أهل الحاضرة على الوالي الحمادي
الذي كان يتاجر بقوتهم فغادر تونس تاركا اياها تتخبط في فراغ سياسي وأمني بلغ أوجه
بالمواجهات الدامية بين سكان باب سويقة وباب الجزيرة .
نتيجة لذلك ولخوف الأهالي من الاحتلال المسيحي ومن عودة الحماديين وما قد
ينجر عن ذلك من انتقام استنجد أعيان تونس بأبي بكر بن إسماعيل بن عبد الحق الخراساني
الذي كان هاربا في بنزرت فوصل ليلا "ورفعوه في قفة من السور وتسلم المدينة
" لكنه لم يعمر في الحكم كما ذكر ابن
عذاري فقد"غدره عبد الله ابن أخيه عبد العزيز بعد اقامته في ولايته سبعة اشهر
وأخرجه في قارب الى البحر فرماه البحر ميتا عند قلعة ابن غبوش فيقال غرق ويقال
غرّق "وبعد عشر سنين مات عبد الله في أعقاب المعركة التي خاضها مع الأعراب ضد
الجيش الموحدي وخلفه علي بن أحمد ابن عبد العزيز فلم يكد يمسك بالسلطة حتى جاءه
الخليفة الموحدي عبد المؤمن ابن علي بنفسه فحاصر تونس برا وبحرا الى أن سلمها له
أعيانها سلما مقابل تنحي علي الخراساني عن الحكم فتم ذلك وخرج علي مع أهله وحاشيته
فهلك في الطريق إلى مراكش لتنقرض الدولة الخراسانية وتحل محلها الدولة الموحدية
وكان ذلك سنة 555 هـ / 1160 م.
يعود الفضل في انشاء بعض المعالم الخراسانية الى الأمير أحمد ابن عبد
العزيز فهو الذي بنى القصر الموجود على مقربة من باب منارة والذي مكث فيه أبو
زكرياء الحفصي لفترة قبل أن يغادره الى
القصبة ثم ينهار ويبني على أنقاضه يوسف كاهية البيت الفخم الذي سيصبح لاحقا دار
حسين ، والأمير أحمد هو الذي أمر أيضا ببناء جامع القصر في مكان كنيسة بيزنطية قديمة كما
يرجع الفضل للخراسانيين في ترميم بيت الصلاة بجامع الزيتونة وإضافة أبواب جديدة الى
الجامع ومنها الباب المطل على سوق العطارين والذي بناه عبد الحق ابن عبد العزيز في
1081 م كما بنى الخراسانيون أيضا جامع المهراس وتربتهم التي تسمى حاليا بتربة سيدي
بوخريصان.
