نسيم شمامة ...سيرة التاجر اليهودي الذي سيطر على ميزانية تونس

 

في دراسته التي تحمل عنوان (أبحاث حول شمامة أو سمامة تونس) يؤكد جيل بولي أن جذور عائلة شمامة جربيّة بالأساس وقد عثر على ما يدل على أنها موجودة منذ القرن 16 أو القرن 17 مضيفا "في القرن الثامن عشر انتقل قسم منها الى  قابس وصفاقس وسوسة قبل أن يستقر جزء آخر في العاصمة وفي كتابه حول الجالية القرنية بتونس عرض اسحاق أفراهامي أسماء قادة الطائفة اليهودية المنحدرين من هذه العائلة والذين احتكروا تقريبا هذه المناصب العليا التي يرجع تعيينها الى الباي وذلك لما يقرب من 150 سنة ولم ينته هذا الامر الا في نهاية القرن التاسع عشر".

في باب قرطاجنة إستقرت عائلة شمامة وفي هذا المكان مازا إلى الآن شيء من الحارة اليهودية التي كانت تعج بالحياة قبل أن يحتل مكانها الاسمنت البارد...الحارة صارت الحفصية والحفصية فضاء شعبي لم يتبق فيه من السردية اليهودية الا بعض الذكريات البعيدة وبعض المعالم الباهتة وشوق دفين في قلوب بعض الذين غادروا وكثير من اللامبالاة في نفوس القلة التي بقيت وكأنها تريد أن يمحى تاريخ الحارة التي لطالما كانت رمزا لانقسام الطائفة فيهود القرنة الأوروبيين لم يخفوا احتقارهم لليهود التونسيين الفقراء والمهمشين ويهود البلد لم يرضوا مطلقا بأن يأتي هؤلاء "الغرباء" ليتكلموا باسمهم ويحددوا مصيرهم .

اندثرت الحارة وحتى بعض المعالم التي بقيت فتوشك ان تندثر على غرار كنيس "أور تورا" أو نور التوراة والمدرسة اليهودية  التي تحولت الى "وكالة" والكنيس الاكبر الذي صار ملعبا مدرسيا وأما قصر القايد نسيم شمامة الذي هرب بأموال الخزينة التونسية والموجود في نهج المشنقة فمازال قائما لكنه تحول الى نزل شعبي.

لم تكن عائلة شمامة مسؤولة فقط عن الطائفة اليهودية فهي قد كانت ناشطة منذ القديم في التجارة الداخلية والخارجية مع فرنسا وايطاليا وكان منها مثقفون ورجال دين ومسؤولون عن خزينة تونس وعن عملتها ومعاملاتها الاقتصادية كما تميزت بأعمالها الخيرية الموجهة لليهود التونسيين ورعايتها للتعليم التلمودي وهكذا فهي قد كانت تملك كل الأدوات التي تؤهلها للحضور في البلاط الحسيني.

جعل منها هذا الحضور الجهة الماسكة تقريبا بحسابات القصر والبلاد وقد بلغ نفوذ عائلة شمامة أوجه مع القايد نسيم الذي حظي في أكتوبر 1859 بترقية على المقاس ليتحول من قابض عام الى مدير محاسبات الدولة التونسية.

في دراسته المذكورة آنفا يؤكد جيل بولي أن نسيم شمامة "ولد سنة 1805 بتونس العاصمة لوالده الحاخام سليمان شمامة ووالدته عزيزة كريف وكان له شقيق يدعى ناتان. وبعد أن بدأ حياته كتاجر قماش اشتغل لدى محمود بن عياد التاجر والمستشار المقرب للباي ثم انتقل للعمل لدى الوزير الأكبر مصطفى خزندار الذي عينه مسؤولا عن مخازن الدولة التونسية قبل أن يصبح لاحقا شريكه ومستشاره الخاص.

في الحقيقة لم تكن لنسيم شمامة ثروة شخصية كما يقول خيرالدين لكنه سليل احدى العائلات الغنية في الحاضرة تونس ما مكنه تدريجيا من الاستفادة من علاقته بمراكز القرار فأصبح منذ  1843 مسؤولا عن حسابات "الأمحال" ثم سهل له محمود بن عياد في 1849 الحصول على ايرادات الديوانة في موانئ تونس وصفاقس وسوسة واحتكار تجارة الصابون والجير والآجر والملح والفحم لكن النقلة الأساسية ستحصل على يد خزندار الذي سيعينه في 1852 قابضا عاما للدولة التونسية فمدير اللمحاسبات وهو المنصب المستحدث الذي أهله للتحكم في كامل مفاصل التجارة والاقتصاد وبعد بضع سنوات (1859) سيعين في منصب قايد اليهود أي متولي شؤون الطائفة اليهودية والشخصية الأبرز فيها وسيسند له الباي في 1860 رتبة جنرال.

مكنت هذه السلطات الواسعة نسيم شمامة من مراكمة ثروة طائلة واقتناء العديد من المنازل والقصور والعقارات التي فاق عددها الستين في العاصمة وضواحيها وبلغ من غناه أن أقرض الخزينة التونسية مبلغا ضخما وبفائدة مجحفة وقد جاء ملف الفساد الذي تورط فيه محمود بن عياد وهروب هذا الاخير الى فرنسا بأموال الدولة التونسية ليفتح المجال أمام نسيم شمامة ليصبح الرقم الصعب في اقتصاد الايالة لا بل إنه سيتآمر على ولي نعمته بن عياد وسيسلم مصطفى خزندار الوثائق التي ستسمح بادانته.

لئن تخلصت تونس من محمود بن عياد فان نسيم شمامه لن يسقط الا بعد اندلاع ثورة علي بن غذاهم ضد الجباية الظالمة والفساد الذي استشرى في البلاد والغاء دستور عهد الأمان فقد أحس بخوف شديد على أمواله ومصالحه فغادر الى فرنسا في 8 جوان 1864 حاملا معه ما يقرب من 20 مليون ريال لكن ثروته التي خلفها وراءه كما يقول "بولي" لم تكن تقل أهمية اذ هي كانت تضم 30 محلا سكنيا وتجاريا في الحارة اليهودية وقطعتى أرض فلاحيتين في المحمدية مساحتهما 400 و450 هكتارا و19 قطعة أرض في المرسى ومنازل وبساتين في حلق الوادي وسيدي بوسعيد وأريانة اضافة الى قصره بنهج المشنقة والذي استغل لفترة كمقر لمدرسة البنات التابعة للاتحاد الاسرائيلي.

وفي الجملة كانت ثروة نسيم شمامة تناهز 27 مليون ريال منها 16 مليونا من أموال الدولة التونسية قام بالاستيلاء عليها وهو قد اختار في البداية الاستقرار في باريس رفقة زوجته الثانية الفرنسية مهملا زوجته الأولى وابنة عمه المقيمة في مدينة سوسة ثم انتقل لاحقا الى ايطاليا بعد الحصول على جنسيتها.

في دراستها المتعلقة بـ "النزاعات المحيطة بجنسية نسيم شمامة" تشير فاطمة بن سليمان الى الصراع حول هذه الثروة الطائلة ومحتوى وصية نسيم شمامة الذي وزع تركته بين عدد من أفراد عائلته وبعض المؤسسات اليهودية الخيرية في تونس وباريس والقرنة ومرسيليا وفلسطين (القدس وصفد وطبريا) ما يعكس ربما حيرة ازاء الانتماء لدى شمامة الذي توفي يوم 23 جانفي 1873 دون أن يمحو عنه صورة اللص الذي عاش في قصر فخم بنهج المشنقة.

في كتابه عن قصور وبيوت تونس خلال القرنين 18 و19 يؤكد جاك ريفو أن دار نسيم شمامة هي الأفخم في الحارة اليهودية وهذا التميز يظهر للوهلة الأولى من خلال باب الضخم الذي تحليه النقوش والحديد المشبك والذي يؤدي الى مدخل يهيمن عليه المدرج المؤدي الى طابقين وفناء مسقوف ذو أرضية رخامية وجدران يحليها الجليز الايطالي لكن من هذه المكونات البديعة لم يتبق الا المدخل ومنه الباب العتيق.


أحدث أقدم

نموذج الاتصال