نهج عنق الجمل ...
تبدو تسمية هذا الدرب العتيق الكائن بمدينة تونس غريبة نسبيا لكن شكله المتعرج
كعنق الجمل هو الذي أعطاه هذا الإسم الذي ظل ملازما له منذ قرون والذي يغني العابرين
عن السؤال.
يمكن الوصول بسهولة
إلى هذا النهج عبر نهج سيدي بن عروس علما بأن مدخله يوجد أيضا على بعد أمتار قليلة
من نهج القصبة ومن بعض المقاهي السياحية .
ليس في نهج عنق
الجمل ما يغري السائح بالولوج إليه فهو ليس واحدا من الأنهج التجارية أو التاريخية
المعروفة وليس فيه سوق من الأسواق التي تبيع المصنوعات التقليدية لكنه لا يخلو من
المعالم التاريخية ففيه المدرسة العنقية وهي إحدى أعرق المدارس الدينية في مدينة
تونس وفي العالم الإسلامي.
اختلف
المؤرخون في تحديد تاريخ انشاء هذه المدرسة الحفصية فابن الخوجة ذكر أن ذلك كان
سنة 1332 فيما تشير مصادر أخرى أن الأميرة فاطمة ابنة أبي زكريا وشقيقة السلطان
المستنصر أمرت ببنائها في فترة أبعد لكن الثابت أنها سعت الى تعيين أفضل العلماء
والأيمة على رأسها وهو ما أكده الزركشي حيث قال "ولما بنت أخت السلطان أبي
يحيى مدرسة عنق الجمل طلبت من أخيها أن يكون قاضي الجماعة ابن عبد السلام مدرسا بمدرستها
فأسعفها فكان يقسم الجمعة بين المدرستين (الشماعية والعنقية) ثم ان الحرة عزلته من
مدرستها ونسبته للتفريط وقدمت مدرسا الشيخ الفقيه أبا عبد الله محمد ابن
سلامة".
ادارة شؤون
المدرسة تواصلت بعدها من قبل أبرز العلماء في عهد السلاطين الحفصيين على غرار قاضي
الجماعة أبو مهدي عيسى الغبريني الذي عيّن بعده السلطان أبو فارس الشيخ أبا عبد
الله محمد القلشاني وقد خلفه ابنه أبو حفص عمر أما في العهد الحسيني فقد تولى
الاشراف على المدرسة العنقية بالخصوص آل بيرم من الشيخ بيرم الأول حتى الشيخ بيرم
الرابع .
المدرسة تتلمذ فيها أيضا عدد من الطلاب الذين أصبحوا شيوخا بارزين ومنهم
ابن عرفة والواصلي والقلجاني وابن عقاب والرصاع وقد تم يوم 19 أكتوبر 1992 تصنيفها
كمعلم أثري.
في نهج عنق الجمل بيوت لعائلات معروفة أبرزها شلبي وعائلة شلبي هي سليلة
الداي أحمد شلبي ابن يوسف داي وعنه يقول مقديش " لمّا رأى
أحمد شلبي إبن المرحوم يوسف داي ما وقع بطاباق (الداي الذي تم قتله) من غير جرم
وكان إذ ذاك آغة القصبة خاف ثائرة علي باي وبطشه فأغلق باب القصبة عليه، فأرسل علي باي أخاه رمضان باي وخليفته القائد
مراد وجماعة من صبايحية الترك فكسوه قفطان الولاية وبايعوه، فأضحى أحمد شلبي دايا
في إثنين من شوّال سنة ثلاث وتسعين وألف ".
سيكون الداي أحمد شلبي طرفا في الحرب الضروس التي دارت رحاها
بين ابني محمد بن مراد باي لا بل إنه سيتمرد عليهما وسيسعى إلى الإستفراد بحكم
تونس لو لم يركنا إلى صلح ظرفي إستنجدا خلاله بأتراك الجزائر للقضاء على أحمد شلبي
فاتحين المجال مرة أخرى لتدخل ولاية الجزائر في إدارة شؤون تونس.
نعود إلى مدرسة عنق الجمل لنقول أنها أصبحت منذ السبعينات على
ملك إحدى العائلات التي حصلت عليها في شكل معاوضة وهي تعرف الآن من خلال بابها
الأخضر الذي تم طلاؤه حديثا وكان في السابق ذاء طلاء أزرق منسحم مع ألوان المدينة
العتيقة أما الدار من الداخل فما نعلمه أنها حافظت على شكلها القديم لكن دون أن تتميز
بأي بهرج أو زخرف كالذي نجده في مدارس تونس الدينية وخصوصا تلك الراجعة إلى الفترة
العثمانية.
المدرسة العنقية تتمركز في الجزء الأول من نهج عنق الجمل الذي
يتواصل نزولا وينتهي عند نقطة التقائه مع نهج السيدة عجولة وهذا النهج هو من أجمل
أنهج المدينة القديمة.